فرضت مبادرة «حزب الله» المشاركة في إعادة النازحين السوريين تحديداً سريعاً للمواقف منها. فالحزب شريك عدد من الهيئات التي تناقش هذا الملف، كان حاضراً في اللجنة الوزارية التي واكبته وهو عضو في الهيئات التي شكلتها رئاسة الحكومة وفي عدد من المبادرات الأهلية. وعليه، كيف تلقّف الأطراف المعنيون من ممثلين حكوميّين سياسيين وحزبيين هذه المبادرة؟
 

ليست المرة الأولى التي يبادر فيها «حزب الله» لمواجهة أحد الملفات الضاغطة، فمشاركته في الحرب السورية والعلاقات التي نسجها مع القوى المتنازعة على الساحة السورية على كل المستويات الإقليمية والمحلّية والدولية أتاحت له أن يبادر من موقع متقدّم يمكنه أن يقارب ملف النازحين السوريين. فإلى قدراته الذاتية التي يمكن أن يستخدمها هناك قدرة على ملاقاة الأطراف الأخرى ولا سيما منها النظام السوري بنحوٍ لا يتمتع به أحد سواه.

وعليه، لم يُفاجأ عدد من الأطراف التي شبكت أيديها معه في هذا الملف بالمبادرة التي أطلقها الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله الجمعة الماضي. فقد كان معظمُهم في الأجواء قبل ايام من الكشف عنها فسجّلوا مواقفهم منها، فجاء البعض منها قاطعاً فيما تردّد آخرون في البحث والتأنّي في ما يمكن أن تعكسه أو تؤدّي اليه المبادرة بوجوهها السياسية والشعبية، الإقليمية والدولية، فالمجتمع الدولي طرف في هذه المبادرات المتتالية التي انطلقت في الفترة الأخيرة بتنظيم الأمن العام وبالتنسيق مع المفوّضية الأمَميّة لشؤون اللاجئين.

على وقع المواقف المتناقضة ممّا يحوط بهذا الملف أنجز الحزب استعدادته للمبادرة قبل أن يطلقها. فشكّل لها أطرَها السياسية والحزبية والإدارية ـ التنظيمية وأبلغ الى مختلف الأطراف قبل ايام ما ينوي القيام به، فهو لن يبقى في موقف المتفرّج.

وفي لقاءٍ عُقد بعيداً من الأضواء أبلغ ممثل الحزب الى مختلف الأطراف المشاركة فيه، وهم من المعنيين حكومياً، ومن مختلف الأحزاب والقوى اللبنانية من أقصى ما كان يشكل 14 آذار الى أقصى 8 آذار، ما ينوي القيام به. مؤكّداً أنّ جميع الخطوات المتّخذة ستؤدّي الغاية منها عبر المؤسسات الرسمية، ولا سيما منها المديرية العامة للأمن العام من دون إغفال دور المؤسسات الأُمَميّة وعلمها.

قال ممثل الحزب في اللقاء إنه «لا يمكنه البقاء متفرّجاً، فآثار النزوح كبيرة وخطيرة على مجتمعنا، ومَن يعتقد أنه في منأى عن تردّدات هذا الوجود ليس من المقيمين على الأراضي اللبنانية، فالحكومة ليست في وارد التحرّك والإتّصال بالنظام باستثناء بعض المبادرات التي يقوم بها الأمن العام وبعض اللجان السورية المحلية التي شكلتها الكتل النازحة الكبيرة في بعض المناطق، وإنّ له موقعاً اليوم يمكّنه من القيام بجهد ما ينعكس على المجتمعين اللبناني والسوري معاً».

في ذهن العارفين بمواقف الحزب وخلفياته وجوانب مختلفة من النزوح السوري أنّ الحزب أنجز منذ عامين خطة واقعية كبيرة في الضاحية الجنوبية لبيروت أعقبت ما كان يمكن تسميتُه «النزوح السوري الفوضوي» فيها وفي مناطق مختلفة من الجنوب وتمكّن من تحجيم انعكاساته على أبناء تلك المناطق. فالأحداث الأمنية التي واكبت انتشار بسطات ومحال بيع الخضار في الضاحية التي يديرها سوريون ما زالت ماثلة في أذهان الجميع، فانتظم الوجود بالحدّ الأدنى في المنطقة وتمّ الفصل بين اليد العاملة اللبنانية والسورية وتمّ الحفاظ على مصالح اللبنانيين الى حدود معقولة.

وعليه، وجد معظم الأفرقاء اللبنانيين أنفسهم امام مبادرة كبيرة بحكم الأمر الواقع، فالحكومة قبل دخولها مرحلة تصريف الأعمال جمّدت نشاط اللجنة الوزارية وغابت عن السمع بعد ذلك. ولذلك وضعت الدراسات والتقارير التي أُنجزت على الرف بعد أن نقل بعضها الى مؤتمري «سيدر 1» و«بروكسل 2» وجمّدت وزراة شؤون المهجرين نشاطها. فوزيرُها معين المرعبي بعلم العارفين بكثير من التفاصيل في حياته اليومية منقطع عن الإتّصال برئيس حكومة تصريف الأعمال والمكلّف تأليف الحكومة الجديدة منذ أن بدأت مرحلة تصريف الأعمال، فيما الحراك قائم على مستوى بعض المبادرات التي يرعاها الأمن العام وهو ما شهدته عمليات العودة التي جرت في الأيام القليلة الماضية من عرسال ومحيطها وبرالياس عبر بوابة المصنع في اتّجاه ضواحي دمشق، بعد معبر «وادي حميد» الى القلمون الشمالي وبعد تجارب شبعا ومحيطها نحو «بيت جن».

وإبّان النقاش الذي دار قبل اعلان السيد نصرالله المبادرة، لفت المراقبين الموقفُ الحكومي الذي عبّر عنه ممثل رئيس الحكومة وتيار «المستقبل» الذي بادر الى تسجيل موقف محايد من المبادرة. وبعد أن أقرّ بقدرة الحزب على «الحوار مع نظام لا نريد أن نتحاور معه في هذا الملف لإعادة مجموعات ربما الى مناطق يسيطر عليها الحزب نفسه»، مفضّلاً «أن نبقى على تواصل مع المنظمات الأممية لتنظيم العودة وممثل القوى الدولية في سوريا».

ولكنه في الوقت عينه ورغم تفهّمه واقع المبادرة وقدرتها على الإنطلاق وما يمكن أن تؤدّي اليه، اعتبر أنّ ذلك لن يمنع من استمرار معارضتنا للفكرة واعتبارها مبادرة من طرف واحد لا تغطية حكومية لها بفعل مسّها بسياسة «النأي بالنفس». وهو ما تُرجم لاحقاً بعدم اعتراف الوزير معين المرعبي بكل ما يجري معتبراً «أنّ الأمن العام يتصرّف من تلقاء نفسه».

وعلى جبهة أخرى ظهر التنسيقُ واضحاً بين الحزب و»التيار الوطني الحر» الذي عبّر ممثله خلال اللقاء عن ارتياحه الى الخطوة ودعمه لها في اعتبارها تصب في الإطار الذي سيؤدّي الى إحراج المجتمع الدولي الذي «يعقّد الأمور اكثر ممّا تستحق» في خطوة تبرّر الهجوم الذي شنّه رئيس التيار على ممثليه في لبنان. في ما سجّل ممثلو الأحزاب الأخرى تريّثاً غير سلبي في دعم المبادرة وسط تشديديهم على حق العودة بلا مقاييس امنية او سياسية من دون تفرقة بين موال ومعارض.

وبعيداً من تفاصيل كثيرة يبدو واضحاً أنّ الحزب انطلق بمبادرته وهو ماضٍ بها الى النهاية التي يريدها وسيكون البقاعان الشمالي والأوسط مسرحاً للمرحلة التجريبية الأولى منها. فتكليف كتلة نواب بعلبك - الهرمل النائب السابق نوار الساحلي ادارة الملف يدلّ على هذه الأولوية.

فالمنطقة التي تستقبل ما يمكن تسميته الترتيبات الأمنية الإستثنائية ستشهد انفراجاً على مستوى اليد العاملة اللبنانية متى غاب الفائض السوري منها، وطالما أنّ الفراغ الحكومي قائم فإنّ المبادرة ستملأه قريباً على قاعدة أنّ انتقال النازحين من بيئة حاضنة لهم في لبنان الى بيئة مماثلة داخل الأراضي السورية ليس امراً صعباً ولا مستحيلاً.