تداعيات الأزمة السورية وسوء الادارة المؤسسية جعلت الاقتصاد اللبناني يتراجع بشكل ملحوظ. ويعتبر لبنان ثالث اكبر بلد مدين في العالم، وبدأ وضعه يشبه الى حد بعيد اليونان. واذا كانت اليونان واستمرارها كجزء من منطقة اليورو هو أمر حيوي بالنسبة للمشروع الاوروبي، فإن لبنان هو مفتاح الحفاظ على ما تبقى من عملية السلام في الشرق الاوسط.
 

دقّ صندوق النقد الدولي أخيرا ناقوس الخطر بالنسبة الى الوضع الاقتصادي في لبنان، كذلك فعلت مؤسسات التصنيف الدولية لا سيما Moody’s والتي حذرت من الخطر الذي يتهدد لبنان في حال فشل الدولة في اتخاذ الاجراءات الضرورية واللازمة من اجل خفض الدين العام الذي وصل الى حدود كبيرة.

وهذه ليست المرة الاولى التي تحذّر فيها المؤسسات الدولية من هذه الوضعية الا انها بقيت عاجزة عن اعطاء الحل مكتفية بوصف حالة بتنا نعرفها ولا يمكن تجاهلها. لكن من المفيد في بعض الاحيان قراءة ما يكتب عن البلد، سيما وان الحلول التي طرحوها لدول بنفس الوضعية المالية المتدهورة، اليونان على سبيل المثال، لم تأت بالنتائج المرجوة.

الامور التي تصلح في اليونان وغيرها من الدول قد لا تكون مفيدة في لبنان، بيد ان العامل الجامع بيننا قد يكون عامل الهدر والفساد المتفشي في دوائر الدولة، كذلك فان الكلام عن تخفيف المصاريف قد لا يكون فاعلًا سيما وان اكثر من ٧٠ بالمائة من نفقات الدولة هي لخدمة الدين ودفع رواتب الموظفين و١٠ بالمائة لدعم الكهرباء، لذلك لا يبقى الا القليل القليل ليصرف في مشاريع انمائية تساعد في النمو. وقد تختلف التطلعات وكيفية المعالجة انما يبقى الامر الاهم وهو معالجة الهدر والفساد والحد من منتفعات موظفي القطاع العام من أعلى الهرم الى أسفله.

كذلك التخفيف من البيروقراطية واللافعالية في دوائر الدولة والتي ما زالت تترنّح وتساعد في انتشار الفساد والذي اصبح يشكل جزءًا من الحياة اليومية، ولا قرارات عامة او رسمية للحد منه بل هو جرء لا يتجزأ من ثقافتنا، والعلاقة بين السلطة السياسية والاقتصادية بما معناه ان الوصول الى السلطة السياسية يضمن الوصول الى مزايا اقتصادية.

هذا في العام. اما المؤكد فهو شيء واحد: ان مشكلة الفساد في البلدان النامية لا يمكن حلها عن طريق تطبيق هياكل مكافحة الفساد في بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي ويعتمد الحد من الفساد على امور عدة اذ على كل بلد من البلدان وضع استراتيجيته الخاصة والتي يمكن ان تؤدي الى دائرة التنمية والحكم الرشيد. ولكن تحديد اتجاه الاصلاحات ليس سوى جزء من المهمة وتكمن الصعوبة الرئيسية في تنفيذها وهذا يتطلب استراتيجية فعلا، لا سيما وان هنالك نوعين من العقبات التي تواجه الدول عادة.

الاول اقتصادي اذ ان الدول النامية ليست لديها القدرة والوسائل نفسها التي تملكها الدول المتحضرة سيما من ناحية التكنولوجيا وكيفية المراقبة للحد من الفساد، لذلك قد يكون من الصعب تكرار الاستراتيجية المعتمدة في هونغ كونغ على سبيل المثال والتي انشأت وكالة التحقيق مع عدد كبير من الموظفين ورصدت لها الاموال الوفيرة. اما العقبة الثانية فهي سياسية لا سيما وان عددا لا يستهان به من السياسيين مديونين بحياتهم المهنية للفساد وقليل منهم سوف يتخذ موقفا ضد الفساد خشية افساد مستقبلهم الوظيفي او الوضع السياسي عمومًا.

وهنا لا يمكن انكار الدور الذي يمكن ان يلعبه المجتمع المدني ووسائل الاعلام في شجب الفساد والضغط على الحكومة في هذا الاتجاه. كذلك دور القطاع الخاص والذي يمكن ان يسهم اسهامًا هامًا في مكافحة الفساد كذلك المنظمات الدولية من خلال البرامج التي ترمي الى تعزيز القدرة المؤسسية من خلال ضمان الشفافية في المشاريع التي تدعمها.

خلاصة الامور اننا اصبحنا في وضعية لا تطاق ولا يمكن احتمال اكثر من ذلك وبات الوضع الاقتصادي مترديا للغاية ويتطلب معالجة ترتكز اساساتها على ثلاثة امور لها من الاهمية والاولوية ما يدعو للتفكير مليًا وبدء العمل في التطبيق وقد يكون أهمها:


١- ترشيد الانفاق والتوظيف في القطاع العام والذي بات لا يحتمل كونه يستحوذ قسمًا كبيرًا من موازنة الدولة. وايجاد معلومات كافية عن الوزارات والمجالس التابعة للدولة. وعن الوزارات والمجالس، واعادة تموضع الموظفين بحيث نستفيد من خبراتهم دون اللجوء الى ابعادهم عن العمل.


٢- مراقبة دقيقة لواردات الدولة من حيث الجباية والضرائب والضريبة على القيمة المضافة والحد من عمليات التهريب والمحسوبية في دفع الضرائب. وهذا يتطلب تقنيات عالية فضلًا عن جهاز بشري مشهود له بنظافة الكف كي يكون مسؤول عن مالية الدولة.


٣- وضع سياسات انتاجية ودراسة ابعادها ومساعدتها لتكون منافسة في الاسواق العالمية الامر الذي يساعد على زيادة الصادرات اللبنانية وتخفيف العجز في الميزان التجاري.

هذه امور بديهية في عهد وضع عنوان له «الاصلاح والتغيير»واي ابتعاد عن هذه العناوين لا يخدم المصلحة العامة بل يسير عكس التيار، واي تلكؤ قد يترجم عجزًا في قدرة الدولة على مكافحة الهدر والفساد.

فالتغيير ضروري والمحاسبة اهم ورفع الغطاء عن المحسوبيات السياسية قد تكون الاهم في بلد مزقته النزاعات والتبعيات لا سيما واننا نقف الآن على مفترق طرق تفاقمت فيها الاوضاع بشكل بات لا يطاق، وأضاف النزوح السوري ضغطًا على الاقتصاد بات ضروريا ايجاد حل له، ولن يكون ذلك الا بعودتهم الى ديارهم ونحن البلد الذي حظي بأكبر نصيب من اللاجئين في العالم. وأي خطة اصلاحية لا تأخذ بالاعتبار العودة السريعة لهؤلاء النازحين الى ديارهم تزيد من الضغط على اللبناني واقتصاده وأمنه وتزيد من مشاكلنا وتهدّد كياننا.