هل لنتائج الإنتخابات الأخيرة دور في تأخير تشكيل الحكومة؟
 

من الخطأ الفادح ومن السذاجة بمكان مجرد الاعتقاد أن تعثر الرئيس المكلف سعد الحريري بإنجاز المهمة الموكولة إليه بتشكيل الحكومة يعود لأسباب محض داخلية، وعلى خلفية وقوف كل طرف من الأطراف السياسية والحزبية وراء متراس النتائج التي أفضت إليها الانتخابات النيابية الأخيرة، والمطالبة بعدد من الحقائب الوزارية توازي حجم كتلته داخل البرلمان، وتمسك البعض بأحقيته بما يطلق عليه وزارة سيادية أو نيابة رئاسة الحكومة أو ادعاء كل حزب أو تنظيم بأنه الأكثر تمثيلًا داخل طائفته. 

قد تكون هذه الصورة تمثل المشهد الخارجي والظاهري لأزمة التشكيلة الحكومية إلا أن الأسباب الحقيقية والواقعية _ وقد تكون منطقية _ هي أعمق من ذلك بكثير وتتعدي النزاعات والمماحكات بين المكونات الحاكمة وتتجاوز الحصص الوزارية من الحقائب لكل فريق من الأفرقاء اللبنانيين لتصل إلى مستوى المهمة والدور الذي يمكن أن تقوم به الحكومة الجديدة والموقف الذي قد تتخذه إزاء العديد من القرارات المصيرية والقضايا المرتبطة بالأزمات الإقليمية وتموضع لبنان من الصراعات والحروب المشتعلة في المنطقة العربية وموقفه من الاشتباك الدولي والإقليمي، سيما وأنه سيترتب على الحكومة المرتقبة اتخاذ مواقف حاسمة إزاء العديد من الملفات الحساسة داخليًا وخارجيًا. 

فعلى الصعيد الداخلي فإن عمر الحكومة الجديدة قد يمتد طوال الفترة المتبقية من عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وهو ما يقارب الأربع سنوات وعلى عاتقها يقع التحضير لقانون الانتخابات البرلمانية المقبل وهي التي ستتولى الإشراف على الانتخابات البرلمانية والانتخابات البلدية والاختيارية المقبلة، وكذلك فإنها ستشرف على انتخابات رئاسة الجمهورية. 

 

إقرأ أيضًا: تشكيل الحكومة (هبة باردة وهبة ساخنة)

 

وعلى الصعيد الخارجي فإنه يقع على كاهل الحكومة المقبلة مسؤوليات كبيرة لجهة التعاطي مع ملف النازحين السوريين ومع القضية الفلسطينية لجهة التسوية مع إسرائيل _ وهو ما تروج له الإدارة الأمريكية وتطلق عليه بصفقة العصر _ واستتباعا سيكون من ضمن مهمات هذه الحكومة تسوية العلاقة مع سوريا والانفتاح على نظام الأسد _ دمشق وتحديد دور لبنان إقليميا على المستويين السياسي والاقتصادي. على أن الأهم من كل ذلك فإن الحكومة المرتقبة ستكون الأداة التنفيذية لعهد الرئيس ميشال عون مع كل ما سيشهده من استحقاقات إقليمية وإحداث داخلية قد تشكل المفصل الأهم في تغيير وترتيب الشرق الأوسط برمته. 

فـ "حزب الله" وحلفائه ممن يطلق عليهم بقوى الثامن من آذار يسعى لأن تكون الحكومة الجديدة هي ترجمة منطقية لتوازنات الكتل النيابية الجديدة داخل مجلس النواب، فيما الخصوم الدوليين والاقليميين وعلى الساحة الداخلية يسعون إلى توليفة حكومية تشكل المثقال الموازي للمجلس النيابي وتشكل الحد الأدنى من التوازن داخل المجلس. 

ذلك أن الأطراف المناهضة لـ "حزب الله" عربيًا ودوليًا تريد إبقاء الحكومة الجديدة خارج سيطرته الكاملة بعد أن فشلت في منعه من السيطرة على مجلس النواب خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة. 

وعليه فالخلاف عميق حول تشكيل الحكومة ولا يقف عند الحدود التقنية والمتمثلة بالحصص وعدد الحقائب بين القوى المحلية بالمعنى الضيق، بل يدخل في سياق صراع "حزب الله" بوجه منظومة القوى العربية والدولية ومنع تفرد الحزب وحلفائه بالقرار في الحكومة الجديدة. 

وهو ما يضع الرئيس سعد الحريري في مرحلة الاحراج الشديد.