في وقت يشترط القانون الدولي للاجئين عدم الإعادة القسرية إلى الأماكن التي تهدد حياتهم أو حرياتهم، يلهث الفلسطيني للرجوع إلى بلده واستعادة أرضه بالدم والنضال على جبهات الحياة كافة. لكنه منذ الهجرة الأولى وما تلاها من اتفاقيات دولية لتنظيم الرحيل يفقد يومياً بنداً من بنود الحياة، وحقاً من حقوق العيش بكرامة وأمان.

 

ذهب الفلسطيني أدراج العذاب. سبعون عاماً وصفة "لاجئ" تلتصق بجدار وعيه حتى أصبحت الوجه الأخر لكيانه، ولا يستثنى من هذا "الوسم" من هم داخل فلسطين أو خارجها، وحتى من خرجوا طوعاً إلى بلاد الجيران ومن هناك إلى بعض الدول الأوروبية طمعاً بالقليل من الإنسانية. ولكن مهلاً، إن مفهوم "الهجرة" بمعناه القانوني العام للاتحاد الأوربي، والخاص بحكوماته المستقلة يستثني اللاجئين الفلسطينيين. فهؤلاء ليسوا مواطنين، ولا تنطبق عليهم معايير المواطنة كما التشريعات النظرية غير النافذة لشريعة حقوق الانسان.

وفي الوطن بقية تهاجر من مدينة إلى قرية كما هو حال فلسطينيي 48 الذين اعتبروا مواطنين بحسب قانون المواطنة الإسرائيلي الذي يمنح الصفة لكل من أقام داخل ما يسمى الخط الأخضر في 14 تموز/يوليو 1952. هذا القانون أقفل الباب أمام اللاجئين الفلسطينيين الذين لم يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم حتى هذا التاريخ، ومنعهم من الدخول إلى دولة الكيان كمواطنين أو سكان محليين.

سمّوني "لاجئاً"

إنه العشرون من حزيران، اليوم العالمي للاجئين. أصبح منذ العام 2001 عيداً سنوياً تحتفل به المفوضية العامة للاجئين والمنظمات المعنية. وقد حُدِّد هذا التاريخ عمداً ليتزامن مع الذكرى الخمسين لإعلان اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين. حيث يتدارس المجتمع الدولي في هذا اليوم سبل الاندماج ويجترح الحلول للتغلب على الخوف، وفرض مزيد من الاحترام للاجئين ضحايا الحروب والإرهاب.

وعلى جري العادة، يحق للجميع ما لا يحق للفلسطيني. هذا اللاجئ تمايز عن غيره من اللاجئين بالديموغرافيا والجغرافيا والتاريخ. من جهة، تفوق عددهم على شعبهم وتشتتوا في جهات الأرض الأربع، ومن المحيط إلى الخليج، إلى ما شاء الساسة أن يرسموه على خريطة المنطقة منذ تقسيم قطعة الحلوى في اتفاقية سايكس بيكو إلى الشرق الأوسط الجديد. وقد طالت الهجرة حتى أضحت الأولى في التاريخ الحديث بعد سبعين عاماً على الخيمة الأولى. ولا يشكنَّ أحد بجهود المجتمع الدولي الذي كرس للقضية الفلسطينية وقت الراحة والاسترخاء ومنحها العدد الأكبر من القرارات الدولية وليس آخرها القرار 194 والتأكيد عليه 120 مرة بحق اللاجئ أن يرجع يوماً ما إلى فلسطين.

وإذ، بنصف الشعب الفلسطيني يحمل صفة لاجئ. وأكثر من 80% يعيشون في الحد الأدنى من متطلبات الحياة الإنسانية. في البلدان العربية: بعضها منحه صفة المواطنة كالأردن وشبه المواطنة كما في سوريا، فيما تعاطى معه كثيرون بقسوة عنصرية. حرّم لبنان على الفلسطيني حقوقه المدنية ووظَّف وجوده سياسياً وطواه تحت نظرية المؤامرة. وهنا الكثير مما يحتمل النقض والتصويب، وحده مشهد الحرب الأهلية يكفي لإدانة أهل البيت قبل زائريه. يجوز هنا، في معرض سوْق الاتهامات وحياكة القصص، التذكير بدور الفلسطينيين في نهضة بعض الدول العربية ولا سيما الخليجية وإعمارها على أكثر من صعيد.

لكن حالة من النكران تفشّت داخل هذه البلدان، ولم يبقَ من الأثر الجميل إلا ظلال الحرب ورجع الصدى للثورة الفلسطينية، والنزاعات بفعل الكفاح المسلح لشعب ضاقت عليه آفاق العيش وحاربه الجميع تقريباً.

لا ينكر قانون ولا دستور أحقية الشعوب وحركات التحرر أن تخوض نضالها ضد قوى استعمار بلادها، لكن الشعب الفلسطيني يخوض تجربة فريدة، لا تقوم على أرضه وأساسها ثورة اللاجئين، الطريق الوحيد المعبّد بالشهادة إلى فلسطين.

بناء الوعي

نستطيع التسليم بتراجع قضية اللاجئين في وعي الأمة العربية والإسلامية تحديداً. بعدما كانت سيفاً يحاربون به "أعداء الله" وجهابذة حقوق الانسان والحيوان على حد سواء، أصبح الآن صوتاً يختنق في أروقة المصالح وتحت قبة الأمم المتحدة وبين زواريب الفصائل.

ثم، كانت الطريق التي تبدأ بخطوة، محاولة تفكيك الأونروا تمهيداً لطمس قضية اللاجئين وتمريراً لصفقة القرن المراد لها أن تقضي على بقايا النفس العربي الصارخ معنا. وليست القمة الثلاثية التي عقدتها السعودية أخيراً لدعم الأردن في أزمته الاقتصادية ومنحه المليارات، إلا استيراد التطبيع والبكاء على أطلال اللاجئين. نموذج على سوء النية تجاه ما يحاك للفلسطيني في السر والعلن.

ينقضي زمن قريب على مسار السلام الذي يسقط يومياً أمام انتهاكات الصهاينة عند مفارق الحياة للفلسطينيين الذي اقتلعوا من أرضهم في الـ48 حتى جاوز عددهم الستة ملايين، في وقت يستمر الحديث فيه عن حلّ الدولتين وإنهاء قضية اللاجئين وتفكيك الأونروا والعيش بسلام في جو من التطبيع تمارس فيه أميركا كل الضغوط الممكنة على الدول العربية، والتي يعاني بعضها تفاقم أزماته الاقتصادية، ما يشي بتنازل يسبق التسليم.

هل هذه هي النهاية لقضية اللاجئين؟ ليس من إنسان في الوجود، يمكن أن يكون سعيداً بصفة لاجئ، لكننا نصر عليها لأنها الشاهد على وجود الفلسطيني وحقه في العودة إلى دياره. ولذلك يدافع عن الأونروا. يدافع عن الصفة الموقتة حتى يحمل يوماً الصفة التي يستحق: مواطن في بلده.

* مدير مؤسسة جفرا للإغاثة والتنمية الشبابية - وسام سباعنة*