مع مرور شهر على تكليفه، لا يبدو الرئيس المكلّف سعد الحريري «مستعجِلاً» لتأليف الحكومة. هو يمرِّر عطلة العيد بهدوء. يزور السعودية، وقبله جنبلاط وربما آخرون بعده. ثم يشارك وليّ عهدها الأمير محمد بن سلمان انطلاق «المونديال» في روسيا. ويعود معه في الطائرة إلى الرياض. وبعد ذلك... لكل حادث حديث في بيروت.
 

المطّلعون يقولون: حتى اليوم، لم يفعل الحريري شيئاً في الملف سوى أنه قدّم تصوّراً أوَلياً أو بدائياً عن «توزيعة» الحصص إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.


وبالتأكيد، هو يعلم أنّ هذه «التوزيعة» لن تعجب الرئيس الطامح، مع «التيار الوطني الحرّ»، إلى تحصيل أكثر من 9 وزراء، خصوصاً أنّ الحريري نفسَه، في المقابل، يحصر التمثيل السنّي كاملاً بتيار «المستقبل»، وهو يعرف أنّ هذا الأمر لا يمرّ إطلاقاً لدى «حزب الله» وحلفائه… بمَن فيهم عون!


عملياً، هذا التصوّر البدائي لا يقدّم ولا يؤخّر في تسهيل عملية التأليف. وفي اعتقاد المتابعين أنّ الحريري قدّمه من باب رفع العتب قبل المغادرة إلى عطلة العيد في الخارج، لئلّا يُتَّهم بأنه لا يتحرّك.


خلفيّاتُ القصة، وفق ما يعتقد هؤلاء المتابعون، هي الآتية: يلتزم الحريري تماماً مقتضيات الصفقة التي حملته إلى السراي الحكومي في نهايات 2016، والتي كُتِب لها العمرُ الطويل بعد أزمة الاستقالة في السعودية، في تشرين الثاني الفائت.


فهو عاد من الأزمة بتسوية مع السعوديين قضت باقتناعهم بضرورة أن يكون له هامشٌ من التنازلات الظرفية والاضطرارية، لمصلحة فريق 8 آذار، ما دامت توازناتُ القوى في لبنان تفرض ذلك.


وهذه التنازلات التكتية يعتبر السعوديون أنها لن تقود إلى سيطرة «حزب الله» الكاملة على البلد. فالتنوّعُ الطائفي والمذهبي والسياسي، حتى داخل قوى 8 آذار، يحول دون ذلك. وفي اعتقاد كثيرين أنّ العديد من حلفاء «حزب الله» المسيحيين والسنّة والدروز سيتخلون عنه تماماً عندما تتبدّل التوازناتُ في المنطقة.


وفي تقدير البعض أنّ التسوية السياسية الآتية إلى سوريا هي التي ستعيد خلط الأوراق في لبنان وتعيد «الحزب» إلى حجمه الحقيقي. وحتى ذلك الحين، لا بأس في تقليص حجم الأضرار في لبنان وضمان موقع الحريري في السراي الحكومي، من خلال السير في الصفقة الظرفية مع «حزب الله» وحلفائه.


وفي الانتظار، حاول السعوديون الحدَّ من حجم الخسائر التي سيتكبّدها الفريق الذي ينفتح عليهم في الانتخابات الأخيرة، وقد عملوا على التقريب بين الحلفاء والأصدقاء ليتعاونوا قدر الإمكان. لكنّ الحريري لم يستطع التخلص من موجبات الصفقة السارية المفعول.


أدرك الحريري أنّ «الحزب» وحلفاءه قادرون على «معاقبته» بعدم تسميته لرئاسة الحكومة الجديدة إذا تنكّر لموجبات الصفقة. ومن هنا كانت تحالفاتُه متذبذبةً في الانتخابات.


اليوم يعرف الحريري أنّ «الحزب» سيكون في الحكومة المقبلة أقوى ممّا كان في الحكومة الحالية. وكذلك، سيكون حلفاؤه المسيحيون، عون و»التيار الوطني الحر» وتيار «المردة» وآخرون، أقوى أيضاً. وأما الفريق المقابل، 14 آذار والمستقلون، فستتراجع قوته.


قد يتفهّم السعوديون أنّ هناك موجبات داخلية أدّت إلى فوز فريق 8 آذار بالغالبية النيابية، وتالياً أن يكون أقوى في الحكومة المقبلة. ولكن، ربما كان السعوديون يعتقدون أنّ الحملة الإقليمية والدولية المتصاعدة على إيران ونفوذها الشرق أوسطي ستؤدّي إلى إضعاف حلفائها في لبنان.


إذاً، الحريري يفضّل أن يكون عاملُ الوقت حاسماً في رسم التوازنات السياسية التي ستقوم عليها الحكومة الموعودة. ويعني ذلك عملياً أنّ الوقتَ ضروريٌّ ليقتنع السعوديون بالمعطيات التي ستفرض غالبية لـ8 آذار في هذه الحكومة.


فعندما تطول أزمةُ التأليف، سيتدخّل الوسطاء السعوديون ويعاينون الأزمات ويكتشفون التعقيدات ويتأكّدون من أنّ الحريري وسائر حلفائهم ليسوا في الوضعية التي تسمح لهم بفرض الشروط، وأنّ «حزب الله» وحلفاءَه قادرون على تأليف حكومةِ غالبيةٍ إذا بلغت الأزمة حدّها الأقصى. ولذلك، فإنهم سيتفهّمون واقعياً لماذا ستكون الحكومة مراعيةً لشروط «الحزب» وحلفائه.


إذاً، بالنسبة إلى الحريري، الوقت «حلّال المشاكل». والأفضل أن يكتشف كل الذين يعنيهم الأمر، من تلقاء أنفسهم، أنّ إضعاف «حزب الله» في الحكومة مستحيل، لأنه هو الخارج منتصراً من الانتخابات. وفي هذه الحال، تكون عملية تأليف الحكومة قد تمّت واقعياً، بالشراكة بين القوى المحلّية والخارجية. ولا يُلام الحريري ولا يتحمّل المسؤولية عن إعطاء «الحزب» وحلفائه مواقع مضخَّمة.


وفي ذهن الحريري أنّ سقفَ المساومة الذي لا يجوز بلوغُه في عملية التأليف، هو انفجار الأزمة واضطرار «الحزب» إلى الانسحاب من التفاهم أو الصفقة السلطوية. فهذا الأمر يعيد الحريري إلى خارج السلطة والحياة السياسية والبلد. وهو أمرٌ ليس مستعدّاً لقبوله أيّاً كان الثمن.