ما حرق المركز الانتخابي بصناديقه إلا ضربة للتمهيد للخيار الأسوأ. وهو خيار يؤكد اللجوء إليه أن الحلول لم تعد متاحة على طاولة قادة الميليشيات، ولأن الوقت يضيق فإنهم يعتقدون أن الغلبة ستكون لمَن يبادر.
 

فيما يعزي رجل الدين العراقي مقتدى الصدر أتباعه بمصابهم الأليم الذي نتج عن انفجار مخازن الأسلحة من خلال دعوته إلى نزع سلاح الميليشيات، فإن الجماعات الشيعية الموالية لإيران تستعد للإطباق عليه وحرمانه من التمتع بفوزه الصادم في انتخابات، لم يكن له دور في تزويرها.

قدّم الصدر عرضه السخي بدءا من نزع السلاح في المناطق التي يبسط عليها أتباعه سيطرتهم. وهو عرض لا بد أن يجلب عليه سخرية الآخرين ممن يملكون ميليشيات ومخازن أسلحة وصلات عميقة بالجارة إيران. فالسلاح من وجهة نظرهم -وهم مجرد قطاع طرق- هو عدة العراقيين الوحيدة المؤكدة، بعد أن انقضت أيامهم في العلم والثقافة والرياضة. لم يعد لدى العراقيين شيء سوى السلاح. وهو سلاح كان ولا يزال موجها إلى صدورهم.

منذ عام 2003 نشبت حروب كثيرة في العراق. بل لم يخلُ يوم من أيام العراقيين من حرب لم يكن ضروريا فيها أن يكون طرفاها مسلحين.

غالبا ما كانت تلك الحروب تقوم بين طرف مسلح وآخر أعزل. وهو ما يؤكد أن العراقيين فقدوا مع الوقت الكثير من قيم الشهامة والمروءة والشجاعة.

فعلى سبيل المثال فإن العشائر التي سنَّ لها نوري المالكي يوم كان رئيسا للوزراء قانونا من أجل ترسيخ شرعية أعرافها المتخلفة والرثة والبدائية، كانت ولا تزال تتقاتل في ما بينها لأتفه الأسباب في محاولة ممن يملك السلاح للحصول على الغنائم من الطرف الأضعف.

وهو سلوك أدى إلى انتشار ظاهرة الإماء والفدى العينية والمالية وسواهما من مستحقات عمليات الغزو التي لا تكترث الدولة بوقوعها، ذلك لأنها لا تؤثر على وجودها المحصور في المنطقة الخضراء.

العراقي اليوم هو سلاحه. ذلك هو شعار الأحزاب التي تتمترس وراء ميليشياتها المستعدة لاستئناف حروبها في أي لحظة.

يكذب بعض العراقيين على أنفسهم حين يتوهمون أن هناك إمكانية لأن تستعيد الثقافة مكانها في حياتهم. فهم يعرفون أن لا أحد من الطبقة السياسية الحاكمة ينظر إلى وجودهم بطريقة جادة. تكفي قنبلة واحدة لتعيدهم إلى بيوتهم مذعورين وهم يحمدون الله على سلامتهم.

الثقافة في بلد لا تعليم حقيقي فيه هي أشبه بالسيرك المؤقت.

حين يلجأ مقتدى الصدر إلى الدعوة إلى تنظيف العراق من السلاح غير الشرعي، فإنه يعبّر عن خشيته في أن يستعمل ذلك السلاح في تصفية الحسابات في المرحلة المقبلة التي يُخطَط لها أن تكون مرحلة لإزاحته من المكان الذي يقرر من خلاله مصير العراق، إلى المكان الذي يكون فيه مجرد شاهد زور.

نضج مقتدى الصدر وطنيا بحيث صار يخشى نشوب حرب أهلية جديدة. ربما سيضحي باستحقاقه الانتخابي من أجل أن لا تقوم تلك الحرب.

يعرف الصدر أن فوز الائتلاف الذي يتزعمه في انتخابات، خسرتها الكتل الموالية لإيران بالرغم من كل عمليات التزوير التي قامت بها لن يجعل الطرق أمامه سالكة للوصول إلى السلطة، ومن ثم تنفيذ مشروع ائتلافه في التغيير السياسي، وصولا إلى الدولة المدنية التي تعلي من شأن القانون والمواطنة وقيم العدالة الاجتماعية.

الفوز في الانتخابات في عراق الميليشيات المسلحة التابعة لإيران قلبا وقالبا لا يكفي للفوز بالسلطة. هناك عقبات كثيرة ستضعها كل الأطراف الأخرى في الطريق، الهدف منها إما سرقة السلطة عن طريق الاحتيال على الدستور وإما العمل على إلغاء الانتخابات والدعوة إلى انتخابات جديدة.

وإذا لم يتحقق واحد من الهدفين، فإن الميليشيات ستكون جاهزة لشن حرب سيكون الصدر خاسرا فيها في ظل عزوفه عن اللجوء إلى السلاح. وما حرق المركز الانتخابي بصناديقه إلا ضربة للتمهيد للخيار الأسوأ. وهو خيار يؤكد اللجوء إليه أن الحلول لم تعد متاحة على طاولة قادة الميليشيات، ولأن الوقت يضيق فإنهم يعتقدون أن الغلبة ستكون لمَن يبادر.

ولا يبدو أن الصدر في عجلة من أمره. لذلك فإنه سيترك المبادرة للآخرين من أجل أن يكونوا سببا في حريق العراق.

غير أن ما هو مؤكد أن رجل الدين الذي يعتبره دعاة المشروع الإسلامي من أتباع إيران عدوهم رقم واحد سيدعو إلى مقاطعة الانتخابات إذا ما نجح خصومه في إلغاء نتائج الانتخابات الحالية.