خلّونا نقولها من أول الطريق... فارس الأحلام وجد وظيفة في شركة تسويق بمعاش جيّد ومركز محترم، والحصان الأبيض يعمل على حنطور كاز في مقديشو، والساحرة التي تحقّق أحلام الفتيات وتحوّل اليقطين سيارات والأرانب طائرات فتحت مكتب سفريات وماشي الحال... ولم يبقَ من قصص العشق الخيالية سوى «أميرة»، التي أجَّرت «ال» التعريف من اسمها إلى ملايين الفتيات الحالمات بمستقبل مغدور مع أمير ميسور.


في مسلسل «طريق» ليس هناك قصص وحكايات وسيناريوهات، هناك فقط عيّنة صغيرة من مجتمعنا الساكن في بيت درج الغرام، وكاراكتيرات تسير عارية أمام عدسات الكاميرات بثيابها الداخلية (لأنّ ورق التين ليس على الموضة)، وتحاول إخفاء عريِها عن أعيننا دون أن تجد مكاناً للاختباء، كاراكتيرات تعصي إرادة خالقها، تأكل من التفاحة المحظورة في كتب الشعر والقصص الخيالية وترغِمنا على طردها نحن المشاهدين من جنّة الدراما التي لا تشبهنا... علّها تحلّ بيننا وتذكّرنا أنّ الواقع ليس نوتات زهرية، ولم يعد هناك خراف بيضاء تركض في الحقول الخضراء البريئة، بل مجرّد ذبائح معلّقة في مسالخ فاسدة، وتُنشد على مسامعنا كلمات تسقط من صفحات يومياتنا المريرة المحكومة باختلافاتنا، وتئنّ تحت نير الغرام المولود على الوسادات ولا يعرف المشي على زفت الحياة.


عندما نكبر، تتذكّر الفتاة أنّ كلّ ما قرأته في قصص العشق كان كذبة ويفهم الشاب أنّ كلّ فكرة ذكورية حُشيت برأسه كانت سراباً، وعندما نغلق باب منزلنا الزوجي نبدأ كتابة قصصِنا الخاصة التي لا يمكن بناؤها سوى بالاحترام المتبادل لمشاعرنا وأحلامنا... في مسلسل «طريق»، قصص الحب موجعة، تنخر الدماغ، تُفتّح العيون، تُصحّي الواقع في كلّ مشهد، وتُرسَم وقحة بعين المخرجة رشا الشربتجي الناقمة على المجتمع وعاداته الملتوية، التي تضع في كلّ لقطة العدسةَ على الجرح، والتي حوّلت كاميرتها إلى ساعي بريد لا يتأخّر في إيصال الرسائل حول حقوق المرأة، العلاقات الوهمية، الخيانة والجرائم، العلم والجهل، الفقر والغنى، الجمال والتخلّف، سلطة المرأة وسطوة الرجل، التوطين، الإيجارات، القوانين، آفة الأرغيلة، المصاهرة الرخيصة، الوصولية، المخدّرات...


«طريق» ليس مسلسلاً معبّداً، فيه طلعات ونزلات وحفر ومطبّات، وهو بالتأكيد ليس قصّة خيالية، وإنّما في ثناياه ساحر لا يمكن إيجاد أدائه سوى في التمثيليات الخرافية، مايسترو الكاراكتيرات ومبدع التعبيرات عابد فهد الذي يقود سيمفونية من الشخصيات والانفعالات، ويعزف على وتر الكوميديا والتراجيديا في آن، فيحوّل ببراعة كلمة «برافو» وأكل صحن معكرونة دروساً في التمثيل، ويسحر المشاهدين بشخصية لا يوازن قباحة ملابسها سوى جمال أدائها.


وأمامه، لم تضطرّ نادين نسيب نجيم إلى التمثيل، وإنّما اكتفت بحملِ هواجس البنات وتطلّعاتهنّ ونثرَتها أمام عدسات الكاميرات بأداء طبيعي شفّاف ملفِت. تمايلت بحسنِها أمام العدسات لتريَنا قباحة أحكامنا المسبَقة، وكلّما جاء دورها في الكلام كانت تقول كلمة أو جملة عالقة في صدر موجوعات ومقهورات ومظلومات بتقاليد شعبية وقوانين دينية ومحظورات اجتماعية. برَعت نادين في الدور وعلقت فيه لتتمكّن من تحرير آماني كثيرات مزروبات خلف أبواب موصدة بختم الزواج.


وشكّل أليكو داوود (رياض) وريتا حرب (رغدة) ومجدي مشموشي (جهاد) ثلاثياً وصولياً، فضبَطوا وتيرة الأحداث بتمكّنهم من أداء الأدواء بأكبر مستوى من الطبيعية، وكأنّما أصبحوا في المسلسل أكثرَ ثلاثةِ أشخاص ممكن أن نكرههم في حياتنا، وخصوصاً ريتا حرب التي أخذت كاراكتيرَها بنظراته وانفعالاته إلى مكان مخيف من السذاجة والسطحية.


وكلّ مَن أراد لعملِه الدرامي أن يترك طعماً في ذاكرة المشاهد، فلا غِنى له عن الاستعانة بختام اللحام، التي يمكن اعتبارها أفخرَ نوعِ بهارات يمكن رشُّه على أيّ مسلسل حتى يصبح طعمه ألذّ، مع قدرتها الفريدة على تحويل أصغر التفاصيل إلى شطحات إبداعية في بساطة التمثيل.


وأمّا الاكتشاف التمثيلي فكان جنيد زين الدين الذي رَكل سطلاً حلبَ فيه فرادته الكوميدية والمسرحية، وزرَب البقرة داخل الإسطبل، ليترك لنفسِه الحقلَ كلَّه مساحةً يرقص فيه بأدائه على وقعِ تعابير صادقة ومؤثّرة ونظرات تحجز لنفسِها مكاناً في المستقبل الدرامي.


إذا كانت كلّ الطرق تؤدّي إلى روما، فإنّ كلّ علاقات الحبّ لا تؤدي إلى السعادة، وإنّما كلّ المسلسلات المبنية على روايات أدبية مِثل «طريق» (رواية الشريدة لنجيب محفوظ) لا بدّ من أن ينتج عنها شيء مختلف ومؤثّر وقادر أن يعرّي حتى من الثياب الداخلية.