الذي يملك الجرأة والقوة على أن يتقاتل بالرصاص الحي في العراق الديمقراطي، لا يمكن أن يكون مواطنا عاديا مشغولا بهموم لقمة عيشه وعيش أهل بيته.
 

ليس جديدا ولا غريبا ولا عجيبا نبأ الاقتتال الدامي الذي دار بالسلاح الخفيف والثقيل، في مدينة الديوانية العراقية، وسقوط قتلى وجرحى بسبب ديك.

ويقال إن ديك أحد “الثوار” المسلحين الأشاوس اعتدى على دجاجة جاره، فلم يكن من الجار المعتدى عليه إلا أن يهب للثأر لدجاجته، عملا بقول المتنبي:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى … حتى يُراق على جوانبه الدمُ.

ومن الضروري أن نعرف أن الذي يملك الجرأة والقوة على أن يتقاتل بالرصاص الحي في العراق الديمقراطي الحالي، لا يمكن أن يكون مواطنا عاديا مشغولا بهموم لقمة عيشه وعيش أهل بيته، لأن البندقية لديه آخر هذه الهموم.

ومن ليس عضوا متقدما وفاعلا ومهما في حزب حاكم، أو في ميليشيا، أو ابنَ زعيم سياسي مشارك في الحكم، أو أخاه أو زوج ابنته، ومن ليس محميا من سفارة شقيقة أو صديقة، لا يجرؤ على أن يطلق رصاصة واحدة في اقتتال، ولا حتى في الهواء فرحا بعرس أو حزنا على إمام أو على شهيد.

والشيء بالشيء يذكر. فمما لا شك فيه أن أصحاب الديك هؤلاء هم الذين انتخبوا هادي العامري ونوري المالكي وعمار الحكيم وقيس الخزعلي ومقتدى الصدر وأسامة النجيفي وخميس الخنجر وصالح المطلق وسليم الجبوري ومشعان. فقد عودونا على أن يمنحوا أصواتهم لهذا المرشح أو ذاك، لا إعجابا ببرنامجه الانتخابي، ولا تقديرا لوطنيته ونزاهته وعلمه وخبرته، بل تعصبا لقرابته أو وفاءً لكرمه، أو احتراما لإيمانه بأن الأقربين أولى بالمعروف.

وهذا الحدث المخيف ليس هو الوحيد، فمثلُه يحدث في جنوب الوطن وشماله، شرقه وغربه، من أيام الغزو الأميركي، ثم الاحتلال الإيراني، وحتى أيامنا هذه، دون حساب ولا عقاب ولا حتى عتاب.

حتى أصبح من الأمور الاعتيادية التي لا تثير العجب ولا الغرابة أن يرتدي مجهولون ملابس قوى الأمن الحكومية أو الجيش، ويركبوا سيارات الدولة، ثم يقوموا بخطف أو اغتيال أو سبي أو اغتصاب في العاصمة ذاتها، وفي غيرها من المحافظات.

وهذا يعني أن هذه الدولة التي كان اسمُها العراق، من أول تأسيسها عام 1920، بكل ما أنشأته من جامعات ومدارس ومنتديات، ووزارات عدل وثقافة وتربية وتعليم وآداب وفنون، وبجميع ما أنتجه عباقرتُها المفكرون والمربون والمبدعون في علوم القضاء والقانون والإدارة، لم تستطع أن تقطع الحبل السري الذي يربط هؤلاء بتراث أجدادهم الذين جعلوا الغزو والسبي والاغتصاب، والاقتتال من أجل ناقة أو فرس أو حصان، مبادئ تقاس بها الأصالة والشهامة والعراقة والشرف.

ألم تشتعل الحرب بين اثنتين من أكبر قبائل العرب وأهمها، عبس وذبيان، بسبب سباق بين داحس (حصان قبيلة عبس)، والغبراء (فرس قبيلة ذبيان)، لتمتد أربعين عاما وليسقط فيها آلاف القتلى والأسرى والمهجرين؟ وإذا كان أولئك تقاتلوا من أجل حصان وفرس، فهؤلاء من أجل ديك ودجاجة. ومن شابه أباه فما ظلم.

ولكن شهامة جارٍ ثأَر لدجاجته من ديكِ جارٍ آخر لم تستيقظ ولم تثر حين غزا غازٍ أرضه وشعبه، ولا عندما تسلط محتل أجنبي على مقدرات أهله وكراماتهم وأرزاقهم ومصير بلادهم.

وها هم الفائزون في انتخابات الشهر الماضي يتدافعون على أبواب هذه السفارة أو تلك طلبا للرضا والقبول. فلم يجرؤ أحد من حبايب الولي الفقيه أن يقول لواحد من وزرائه أو ضباط مخابراته: توقفوا عن تجفيف أنهارنا. كما لم يقل أحد من أحبة الخليفة أردوغان: لقد ارتكبت بحق زرعنا وضرعنا جريمة العصر حين جعلت بلاد ما بين النهرين بلاد ما بين ساقيتين.

إن ما جرى ويجري في عراقنا الديمقراطي الجديد، هذه الأيام، بأوامر المعممين والأفندية، باسم الله ورسوله وآله وصحبه حينا، وباسم الديمقراطية حينا آخر، يجعل المرء يتوقف طويلا ليسأل عما إذا كان لنا أن ننتظر فرجا قريبا ما دام لدينا عراقيون يقتل بعضهم بعضا من أجل ديك، والعياذ بالله.