ما يجري في الأردن اليوم لا يمكن الاستخفاف فيه، خاصة وأنه يأتي في ظروف داخلية وإقليمية ودولية صعبة مما يفاقم الأزمة الأردنية
 

تشهد العاصمة الأردنية عمّان منذ ما يقارب الأسبوعين اعتصامات وتظاهرات شعبية تملأ الساحات العامة والشوارع الرئيسية احتجاجًا على السياسة الضريبية التي اعتمدتها الحكومة الأردنية ونجم عنها زيادة في أسعار السلع الاستهلاكية وخاصة المواد الغذائية التي ترهق المواطن بأعباء إضافية. 

وأدت هذه الاحتجاجات الشعبية العارمة إلى استقالة رئيس مجلس الوزراء السيد هاني الملقي وقيام العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بتكليف الخبير في الشؤون الاقتصادية السيد عمر الرزاز بتشكيل حكومة جديدة ودعوته إلى إجراء مراجعة شاملة لمشروع قانون الضرائب الذي أثار موجة الاحتجاجات الشعبية. 

ومما قاله الملك في الكتاب الرسمي لتكليف السيد الرزاز بتشكيل الحكومة الجديدة أن "على الحكومة أن تطلق فوراً حواراً بالتنسيق مع مجلس الأمة بمشاركة الأحزاب والنقابات ومختلف مؤسسات المجتمع المدني لإنجاز مشروع قانون ضريبة الدخل".

وأضاف الملك "على الحكومة أن تقوم بمراجعة شاملة للمنظومة الضريبية والعبء الضريبي بشكل متكامل ينأى عن الاستمرار بفرض ضرائب استهلاكية غير مباشرة وغير عادلة لا تحقق العدالة والتوازن بين دخل الفقير والغني".

 

إقرأ أيضًا: من المسؤول عن الفلتان الأمني في منطقة بعلبك؟

ومن جانبها رحبت النقابات الأردنية بدعوة الملك واعتبرتها خطوة إيجابية. ودعت رئيس الوزراء المكلف إلى فتح حوار بناء مع كل الفعاليات الشعبية للخروج من هذا المأزق، وأعلنت عن تهدئة الشارع لإعطاء فرصة للحكومة للإعلان عن برنامجها المستقبلي سيما وأن الرئيس المكلف السيد عمر الرزاز يحظى بالتقدير والاحترام من قبل الأوساط النخبوية في المجتمع الأردني، فهو شخصية تتمتع بخبرات اقتصادية وإدارية عالية. إضافة إلى أنه معروف عنه بنظافة الكف وبعيدا كل البعد عن شبهات الفساد التي باتت تلاحق الكثير من شخصيات الطبقة السياسية. 

وتجدر الإشارة إلى أنه ليست المرة الأولى التي ينتفض فيها الشارع الأردني في وجه حكومته احتجاجا على السياسات الاقتصادية الجائرة بحق المواطن. فقد سبق ذلك أكثر من محطة اصطدم خلالها الشارع بالحكومة، وأبرز هذه المحطات ما حصل في نيسان عام 1989 في عهد حكومة زيد الرفاعي حيث وصلت الأزمة بالدولة إلى عتبة الإفلاس، والمحطة الثانية في العام 1996 في عهد حكومة الكباريتي وأطلق عليها يومها بثورة الخبز، وذلك عندما أقدمت الحكومة على رفع سعر الخبز وضريبة المبيعات. وأعقب ذلك التحركات الاحتجاجية التي اندلعت في عامي 2010 و 2011  وأطلق عليها بـ "هبة تشرين /" 2012  التي اشتعلت على خلفية رفع سعر المحروقات. 

واستمرت التحركات الاحتجاجية بعد ذلك ولكن على شكل تحركات مطلبية فئوية صغيرة حيث واظبت مجموعات صغيرة على مطالبها بشكل متكرر ومنتظم من خلال حركات  احتجاجية محدودة  لم تصل فيها المطالب إلى مستوى المطالب السياسية الا في حالات نادرة. لكن الخوف والحذر من انزلاق الميدان الأردني إلى الفوضى والفلتان حد من التجاوب الفعلي مع هذه التحركات من قبل دوائر أوسع خاصة بعد اشتعال الحروب الدموية في سوريا، باعتبار أن تكاليف الاحتجاج قد تكون باهظة الثمن قتلًا ودمارًا وخرابًا وتهجيرًا. 

 

إقرأ أيضًا: العبادي هو الأكثر توافقًا لتشكيل حكومة العراق

 

فما يجري في الأردن اليوم لا يمكن الاستخفاف فيه، خاصة وأنه يأتي في ظروف داخلية وإقليمية ودولية صعبة مما يفاقم الأزمة الأردنية.

  فالعراق الذي كان يقدم المساعدات إلى الجار الأردني في الأزمات الاقتصادية الصعبة فإنه مشغولًا بأزماته الداخلية، وكذلك الدول الخليجية التي لم تبخل يومًا عن مد الشقيق الأردن بالمعونات والمساعدات لتجاوز أزماته الداخلية فإن اهتماماتها وأنظارها في هذه اللحظة العربية الحرجة باتجاه مكان آخر ومنصبة في اليمن وسوريا للحد من التمدد الإيراني في المنطقة. 

والجدير ذكره أنه لا يمكن تبرئة الإخوان المسلمين مما يحصل في الساحة الأردنية، إذ أن لديهم حسابات يريدون تصفيتها مع النظام وهم الذين ارتبطوا بعلاقات ودية معه فإنهم انتقلوا إلى مرحلة العداء له بعد نجاح العاهل الأردني في احتواء مفاعيل الربيع العربي أردنيًا. 

وبالتالي فإن هناك الكثير من الشكوك عن دور إيراني في المشهد الأردني، وذلك من خلال التحريض على التظاهر سيما وأن لطهران مجموعات في الداخل الأردني، وقد ظهر ذلك في عامي 2011 و 2012 عندما سعت  بالتنسيق مع مجموعات من الإخوان المسلمين على تحريك الشارع الأردني وافتعال أحداث دامية حال دون وقوعها وعي القيادة الأردنية. 

فالأردن اليوم يمر بمحنة صعبة وأزمة حادة الا أن تجاوزها ليس بالأمر الميؤوس منه مع امتلاك المملكة على قدرات ومقومات تساعدها على تجاوز المحن وما لديها من مؤسسات فاعلة تستطيع أن تكون بمستوى الظروف الصعبة.