عقد ونصف من عمر حكومات الاحتلال في العراق ومازال التدافع وقحا على الانتخابات بشراء الأصوات والذمم والمناصب الحكومية، بالتزوير أو بالتهديد أو بالترغيب.
 

سنة 1963، لو اقتطعناها من تاريخ العراق ووضعناها كشريحة تحليل تحت عدسة مجهر تشخيص وتطور أعراض حالة العراق، لاكتشفنا طبيعة الممارسات وكمية المعالجات الخاطئة وحجم الإدمان على تجريب المجرب إن كان المقصود بالمجرّب قادة أو زعامات أو أيديولوجيات أو حتى أفكارا أثبتت فشلها بكارثية تطبيقاتها على حياة الناس، وبالذات في لحظات الحماسة وبواكير نشوة استلام السلطة.

فبعد مجزرة قصر الرحاب الدموية صبيحة 14 يوليو سنة 1958 جرب العراقيون سحل وتقطيع أوصال بعض الشخصيات، في نزعات متوحشة تم إدراجها كحالة تعبير فوضوي عن غضب شعبي ضد تحالفات الحكام مع قوى أجنبية استعمارية لسرقة ثروات ومصير العراق ومصادرة إرادته الوطنية الحرة.

لكن سرعان ما تمددت تجربة السحل بعد سنة واحدة فقط من عمر الثورة، وهذه المرة بحبال الحزب الشيوعي في العراق رغم تاريخه ونضاله الطويلين من أجل العمال والفلاحين والكادحين عموما، لكن محاولة تقربه من السلطة أودت به إلى ارتكاب مذابح مروعة في الموصل، يحق لنا اليوم أن نصنفها كمدرسة متميزة بالإجرام لا تقل أبداً في بشاعتها وفظاعتها عن انتهاكات وإرهاب ووحشية تنظيم الدولة والميليشيات.

في 8 فبراير 1963 الموافق 14 رمضان سالت دماء غزيرة على بوابات وزارة الدفاع في بغداد بعد تظاهرات طلابية توجتها أجهزة الأمن بإلقاء طلاب من فوق بناية كلية الآداب. لكن يظل السؤال هل كان بالإمكان عدم إعدام الزعيم أو الرئيس السابق؟

تجريب المجرب استمر طيلة 9 أشهر فقط انتهت في 18 نوفمبر من سنة 1963 بمجازر في عدة مقرات للحرس القومي كان أفدحها في الفلوجة، وهذه المرة بأوامر من قائد الانقلاب عبدالسلام عارف الذي يشغل منصب رئيس الجمهورية.

المأزق أو الخانق العراقي هو في عدم استغلال لحظة القوة في التغيير، وهي أزمنة قصيرة عادة تشبه لحظة فتح بوابة سقاية المزروعات أو النهر لإرواء الأرض الجافة وإطفاء الظمأ، لحظة تتدفق فيها الرسائل والبلاغات إلى الأزمنة التالية، ومن خلالها يمكن قراءة الأحداث للانعطاف بحركة أي تغيير عن مواضع المطبات المهلكة وتجنب الشظايا الخطرة المتناثرة والقادمة من ذلك الماضي القريب والمعاش.

من مفارقة دفتر عذابات السجون في العراق هو ما حصل من لقاء وتجمع بين السجناء من الشيوعيين وسجانيهم من البعثيين بعد 18 نوفمبر 1963، والغريب في الأمر أن مراكز التوقيف في الأيام الأولى لم تشهد انتقاما أو عراكا بين النزلاء القدماء والجدد منهم، بل كانت أجواء استقبال فيها من التشفي بقدر ما فيها من المرح أيضاً، اتسمت بترديد أغنية عراقية للمطربة وحيدة خليل تختصر المهزلة يقول مذهبها، مذهب الأغنية “سبحان الجمعنا بغير ميعاد”.

ما جرى بعدها في السجون، أو العراق عموما، كان تكراراً لإلغاء الآخر على مستوى سياسة الأحزاب التقدمية مع انكسار نفسي وتراجع رممه رحيل الرئيس عبدالسلام عارف بحادث سقوط طائرته المروحية بعد إقلاعها من البصرة في حادث مريب، ومجيء الفريق عبدالرحمن عارف شقيق الرئيس إلى السلطة، اتسمت فترته بالهدوء المجتمعي وشهدت إطلاق جميع السجناء السياسيين على دفعات، وعدم التوقيع على إعدام أي عراقي إلى أن وقعت نكسة الخامس من يونيو 1967.

النكسة كانت بمثابة مهماز ألهب الأمة العربية تنبيهاً لتستيقظ من غفوتها، ومن تخلف أدواتها وإعلامها وتسليحها وأجهزتها الإدارية والأمنية، ومن فقدان وحدة قرارها وشتات اقتصادها وتباين سياساتها وتفاوت رؤاها رغم ملامح تقارب الشعوب النفسي واستعدادها للتضحية في المعارك الكبرى.

كانت النكسة حاضرة في العراق في مجرى تغييرات يوليو 1968 دون إراقة الدماء ولأول مرة يغادر رئيس الدولة السابق منصبه دون عنف، لتبدأ مرحلة على علاتها لكنها أثمرت بعد تفاصيل قصيرة على تجريب زراعة مساحة فارغة من السياسة بالتفاهمات وبشيء من مظاهر الديمقراطية والاهتمام بحقوق الإنسان والأقليات، مع إصدار قانون الحكم الذاتي للأكراد والتوجه نحو الإعمار بنهوض بادٍ للعيان بعد تأميم شركات النفط بمظاهر تنمية انفجارية غير مسبوقة.

بمعنى إن السبعينات من القرن الماضي في العراق وفي معظم سنواتها أرادت أن تختار دروبا ومناهج إنسانية في مقاومة الوسائل المجربة التي لم يجن منها العراق إلا الاقتتال وسفك الدماء والفقر والمراوحة في الأزمات، ومن جانب آخر أرادت هضم واقع النكسة على المستوى المحلي لصياغة نواة دولة حديثة تقوم على إرسال البعثات العلمية وتطوير الجامعات والمعاهد وإطلاق المشاريع العامة والخاصة وحمايتها ودعمها.

نود أن نشير إلى أن أي نظام سياسي بإمكانه صناعة التغيير نحو الأفضل على قياس الخدمات التقليدية والبنى التحتية الأساسية في حياة أي دولة معاصرة، وتوفير شروط العيش الملائمة للتجمعات البشرية بغض النظر إن كان نظاماً دكتاتوريا أو ديمقراطيا أو رئاسيا أو برلمانيا أو تحكمه العلمانية أو الليبرالية أو مؤدلجا بأفكار ومرجعيات خاصة.

المهم أن تؤدي الحكومة والنظام السياسي واجباتهما باحترام مهمتهما في فرض القانون وسيادة العدل ورعاية المواطنين ومواكبة التطور وتنظيم العلاقات مع الدول والدفاع عن السيادة.

ونحن على أبواب ذاكرة النكسة الحاضرة بيننا بتعاظم الخسائر الفلسطينية يبدو لنا العراق بتجاربه المعاشة مدرسة يُفترض أن تنهل منها الأجيال الجديدة في أمتنا العربية باعتباره سارية ترتفع عليها راية الإيمان بالإمكانات العلمية والمعرفية في كل دولة عربية، مقرونة بعدم السماح لإنتاج تجريب المجرب الفاشل والفاسد في حياة المواطنين لتدارك أسباب السقوط في فخ الحماقات على اختلافها بالتدبر والفطنة واليقظة، كي لا تتم جرائم سحل الشعوب وبيع الأوطان في مزاد السلطات وديمقراطية الميليشيات ومشاريع التغيير السكاني والإبادات وتقاسم نفوذ الدول الكبرى.

عقد ونصف من عمر حكومات الاحتلال في العراق ومازال التدافع وقحا على الانتخابات بشراء الأصوات والذمم والمناصب الحكومية، بالتزوير أو بالتهديد أو بالترغيب؛ في دلالة صارخة على حجم فساد وسرقات وغايات الفوز بكراسي البرلمان، إن على المستوى الشخص أو الحزبي أو الطائفي.

في واقع حال الشعب العراقي من غير المعقول تفسير هذا التدافع المزري لمجرد الحصول على امتيازات الرواتب أو التقاعد، فالجزء الغاطس من الثراء مجهول الهوية ومتعدد المصادر، لكنه ليس خافياً، يضاف إليه ما تحمله تلك الكراسي من مشاريع ونكسات مقبلة للعراق ولأمتنا العربية؛ لكن عليهم جميعاً أن ينتبهوا إلى أن ثمة يوما لهم أو سنة سيقتطعهم فيها الشعب الذي يتوعدونه بالحرب الأهلية ليضعهم تحت عدسة مجهر التشريح.