بدأت واشنطن ومعها تركيا تنظيم الوضع في الشمال السوري
 

تخوفت مراجع ديبلوماسية وعسكرية من الإجراءات الأميركية والروسية الجديدة في سوريا. فتزامناً مع طلب موسكو إخلاء المنطقة المقابلة للجولان المحتلّ من غير السوريين، بدأت واشنطن ومعها تركيا تنظيم الوضع في الشمال السوري. وهو ما طرح السؤال حول هذه «المصادفة» التي جعلت المواقف تتلاقى على كل ما يعزّز نشوء «الكيانات السورية غير المتحدة»؟ فما الذي يقود الى هذا التفسير؟ لا يخفي الديبلوماسيون الأجانب عند مقاربتهم الملف السوري جملة مخاوف تعزّز الحديث المتنامي عن تفاهمات روسية - اميركية وأخرى اسرائيلية ـ روسية لتغيير خطوط التماس في سوريا، ومعها مواقع القوى في الجنوب السوري في مقابل تكريس أخرى في الشمال السوري كما هي عليه، بتعديلات ترضي القوى الإقليمية التي تورطت في الحرب السورية مباشرة وأنهت ادوار وكلائهم المحليين ممّن كانت توفّر لهم التسليح والحماية السياسية والديبلوماسية وكل المقومات المؤدية الى إقامة مناطق مستقلة ذات حكم ذاتي.

ومردّ هذه المخاوف الى جملة من التطورات المتلاحقة، فالحديث عن تفاهمات اسرائيلية ـ روسية حول ترتيب الأوضاع في الجنوب السوري، وتحديداً على طول الحدود الإسرائيلية والأردنية، لم يعد مجرد معلومات ديبلوماسية مصدرها موسكو وتل ابيب وعمان، والتي تحدثت عن مشروع روسي لوَقف كل أشكال المواجهة المحتملة بين الإيرانيين والإسرائيليين في الجنوب السوري عبر إقامة مناطق منزوعة السلاح لا يوجد فيها اي عنصر من مجموعات تدين بالولاء لإيران او لـ»حزب الله».

وفي المعلومات التي واكبت التحذيرات الروسية التي أطلقها وزير الخارجية سيرغي لافروف في الساعات الماضية، وحديثه عن وجوب «خروج جميع الفصائل غير السورية من جنوب سوريا في أسرع وقت ممكن»، لا يمكن فصله عمّا كشفه من تنسيق مع عمان وواشنطن «حول إخراج هذه القوات من المنطقة الجنوبية للعاصمة السورية»، ولتشكّل إثباتاً حول المدى الذي بلغه هذا «التفاهم الثلاثي» الذي يتحوّل رباعياً بنحو تلقائي لمجرد انه يلبّي المطالب الإسرائيلية المعلن عنها على وقع العمليات العسكرية التي تقوم بها ضد المواقع الإيرانية، وتلك التابعة لـ»حزب الله» في تلك المنطقة وامتداداً الى وسط البلاد من ريف حمص الى محيط حماه.

لكنّ الخطط الروسية للمنطقة الجنوبية دونها عائق مهم يكمن في سيطرة قوى سورية خارجة عن سيطرة الإيرانيين وتظللها قوات الحلف الدولي ضد الإرهاب، بما فيها القوات البريطانية المنتشرة حديثاً على طول الحدود الشمالية مع الأردن، والتي تمّ تعزيزها بقوات إضافية في الأيام القليلة الماضية للوجود شرق بوابة «نصيب» الحدودية، وتلتقي مع القوات الأميركية المتمركزة عند مثلث الحدود السورية ـ العراقية ـ الأردنية في قاعدة «التنف» العسكرية.

في مقابل الخطط الروسية المخصّصة للجنوب السوري، برزت الإجراءات الأميركية ـ التركية الخاصة بالمنطقة الواقعة غربي مجرى نهر الفرات في الشمال السوري، وتحديداً في منطقة «منبج» المختلف عليها بين الأكراد وتركيا، والتي تعزّز من استقلالية المنطقة والنظام المحلي الجاري بناؤه فيها على رغم من الفصل النهائي القائم بين منطقة غربي الفرات وتلك التي تسيطر عليها القوات الكردية والأميركية شرق مجرى النهر، وفي شريط يمتد جنوباً الى المنطقة القريبة من بوابة «البوكمال» على الحدود السورية ـ العراقية.

والى الحديث عن «خريطة الطريق» الجديدة لمنطقة منبج السورية التي تتحدث عنها تركيا، والتي ستنفذ قبل نهاية الصيف في حال تم التوصّل الى اتفاق مع واشنطن، فقد كشفت أنقرة عن «ترتيبات اولية تعطيها حق المشاركة» في امنها عبر «قوات تركية واميركية» ستسيطر على هذه البقعة الى حين «تشكيل ادارة جديدة» في المنطقة. وهو ما يوحي بوجود مشاريع لتعزيز السلطات المحلية في الشمال السوري تفصلها عن بقية المناطق التي يسيطر عليها النظام، بعد حظر التدخل في شؤونها والإقتراب من خطوط التماس المؤدية إليها. لتكون في عهدة القوات الأميركية والكردية والتركية التي توغّلت في جيوب «جرابلس» و»عفرين»، وباتت تسيطر على شريط يمتد لنحو 120 كلم من الحدود السورية وبعمق ما بين 25 و35 كلم.

وعلى خلفية المستجدات التي عكستها الإجراءات الروسية والأميركية والتركية على حساب مناطق سيطرة النظام وحلفائه الإيرانيين، فقد بدأ الحديث عن مشاريع لتغيير موازين القوى فيها ومحاصرة المتبقّي منها بالنار، ولو من بعيد، وهو أمر يفسّر استمرار غَضّ النظر الروسي ـ الأميركي عن الغارات الإسرائيلية المتكررة على القواعد الإيرانية وحلفائها في وسط سوريا مع تحاشي الاقتراب من مناطق سيطرة الشرطة العسكرية الروسية امتداداً الى الساحل السوري وبعض المدن الكبرى، التي طردت منها المنظمات المسلحة من حمص الى حلب وحماه وأريافها بعد توحيد لوائح الإرهاب بين مختلف الأطراف الدولية في سوريا.

وبناء على ما تقدّم، تنتهي التقارير الديبلوماسية للإشارة الى فترة من الهدوء المتوقع تبعد المواجهة الإيرانية ـ الإسرائيلية الواسعة الى أمد، من دون أي ضمان بوقف العمليات «الإختيارية» التي تقوم بها اسرائيل ودول الحلف الدولي كلما دعت الحاجة اليها. لكن ما يؤرق الجميع انّ كل هذه المخططات التي تعزّز الإستقرار في «كيانات سورية مستقلة وغير متحدة» على وَقع تقليص النفوذ الإيراني جنوباً وتعزيز التركي شمالاً، لا تلحظ اي خطوة لاستعادة النازحين السوريين اليها من دول الجوار السوري أو من نازحي الداخل، على رغم الحديث عن مشاريع لعقد مؤتمرات جديدة سواء في سوتشي بناء لاقتراح فيتالي ناعومكين مساعد المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دوميستورا، واقتراح الأردن عقد لقاء ثلاثي حول سوريا على مستوى الوزراء لم يحدد مكانه بعد.