ما يفرض تحديد الأحجام وعملية التقاسم في المجلس والحكومة ليس حجم الكتلة النيابية بل التموضع السياسي الذي يرسمه الحزب ومعه الرئيس نبيه بري
 

وأخيراً جاء موسم الحصاد فالقوى السياسية والأطراف الحزبية تتهيأ للحصاد في الحكومة لما زرعته في مواسم الانتخابات والتحالفات وتقاطع المصالح، إذ أنه وبنتيجة الاستشارات النيابية الملزمة التي تولى إجراؤها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يوم الخميس أول من أمس في القصر الرئاسي في بعبدا وانتهت بتسمية 111 نائبًا رئيس تيار المستقبل سعد الحريري لتكليفه بتشكيل الحكومة وامتناع كتلة الوفاء للمقاومة وهم 13 نائبًا ومعهم أربعة نواب من المستقلين عن تسميته.  وقد كلف عون الرئيس الحريري مهمة تشكيل الحكومة الجديدة بعد إطلاع رئيس مجلس النواب نبيه بري على حصيلة هذه الاستشارات. 

إقرأ أيضًا: رحلة تشكيل الحكومة شاقة وصعبة

فبعد أقل من ثلاثة أسابيع على الانتخابات النيابية والنتائج التي أفضت إليها، فإن الواقعية السياسية تقتضي إعادة قراءة النتائج من جديد بكثير من العقلانية، وبعيدًا عن الاستعراضات المسرحية التي يقوم البعض بتمثيلها للمناورة والتمويه وعرض العضلات الركيكة والمصطنعة، وبعيدًا عن المظاهر الخادعة والمشاهد المزركشة والمزيفة كي تتكشف الحقائق الناجمة عن هذه الانتخابات ويظهر بوضوح وبشكل جلي من هم الرابحون والخاسرون الحقيقيون بنتائجها.  وإذا كان من الطبيعي أن يسعى كل طرف إلى تحصيل ما امكنه من المقاعد النيابية لفتح الطريق أمامه للمطالبة بالحد الأقصى من الحصص في الحكومة المرتقبة، إلا أنه في الواقع فإن ما يفرض تحديد الأحجام وعملية التقاسم في المجلس والحكومة ليس حجم الكتلة النيابية بل التموضع السياسي الذي يرسمه "حزب الله" ومعه الرئيس نبيه بري، ذلك أن الثنائي الشيعي يحظى بغالبية نيابية وازنة وواسعة جدًا لأول مرة منذ العام 2005.  وما قاله نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي كان واضحًا "ما حصل هو تصحيح لخطأ تاريخي وقع في العام 2005"، وهذا يؤكد وبما لا يدع مجالا للشك أن تركيبة السلطة وعلى مدى السنوات الأربع القادمة وهي عمر مجلس النواب وعمر العهد الرئاسي ستكرس عملية تصحيح الخطأ وسترسخها في كل مفاصل الحكم وستمضي بها إلى النهاية مع مراعاة التسوية (الصفقة) التي تمت في العام 2016، سيما وأن أحدًا غير مستعد لإعلان الانقلاب عليها أو الخروج منها لأن البديل لن يكون بأفضل منها.  وتقول بعض المصادر السياسية أن وجود بري رئيسًا للبرلمان والحريري رئيسًا للحكومة يمثل استمرارًا للصفقة التي أتت بعون رئيسا للجمهورية مع وجود سقف عربي ودولي لحماية هذه التسوية من أجل الحفاظ على استقرار لبنان.  وفي المعلومات الصادرة عن بعض التقارير انه في الوقت الذي يطالب فيه حزب القوات اللبنانية الذي رفع حصته البرلمانية من ثمانية إلى خمسة عشر مقعدًا بالحصول على حصة وزارية تتناسب مع الإنجاز الذي حققه في الانتخابات النيابية الأخيرة، فإنه يتردد عن الرئيس ميشال عون والوزير جبران باسيل بأنهما سيدفعان باتجاه تشكيل حكومة بدون القوات خاصة وأن الخلاف بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية بات علنيًا، مع الإشارة إلى أن القوات قد لا تجد هامشا واسعا للمناورة والمطالبة بتحسين الشروط لأن الآخرين قد يردون عليها بأطباق العزل والحصار. 

إقرأ أيضًا: العبادي هو الأكثر توافقًا لتشكيل حكومة العراق

إلا أن هناك من يعتقد أن القوات اللبنانية لن ترتكب اي خطأ قد يشكل ذريعة لعزلها خلال عملية تأليف الحكومة. كما أنها لن ترتكب أي خطأ في ممارسة عملها الحكومي يبرر عزلها واستفرادها، وستتعاطى بأقصى ما يمكن من المرونة للحصول على حصتها التي توافقت عليها مع التيار الوطني الحر في تفاهم معراب اي نصف المقاعد المسيحية.  وإذا كان الوزير جبران باسيل يعمل وفق مفهوم الأحادية المسيحية. إلا أنه من الصعوبة تجاهل القوات اللبنانية ومحاصرتها وانتهاج سياسة الاحراج ثم الإخراج معها، ذلك أن التطورات الضاغطة على لبنان تفرض على الرئيس المكلف تشكيل حكومة واسعة التمثيل من جهة والتمسك بتمثيل القوات اللبنانية من جهة ثانية  كطرف قوي داعم له داخل الحكومة على مستوى القضايا الكبرى والاستراتيجية.