أما الآن... فقد راحت السَكرة وجاءت الفَكرة. وبعد 10 أيام من الانتخابات، لا أكثر، استنتج كثيرون أنّ عليهم قراءة النتائج من جديد، بعيداً عن المظاهر الخادعة، وعن المشاهد المسرحيّة التي يتبرّع البعض بتمثيلها هنا وهناك بهدف عرض العضلات اصطناعياً أو المناورة والتمْويه. وعندئذٍ، سينكشف مَن هم الرابحون الحقيقيون في هذه الانتخابات ومَن هم الخاسرون الحقيقيون.
 

ما أوحت به الانتخابات في الأيام الأولى بعد ظهور النتائج تبدّل سريعاً. والقوى التي اعتبرت نفسَها رابحة أو خاسرة مضطرة اليوم إلى إجراء مراجعة أكثر واقعية. فلا قوى 8 آذار انشقّت بين داعمين للرئيس نبيه بري وداعمين للوزير جبران باسيل، ولا 14 آذار توحَّدت نتيجة الوساطة السعودية بين الحريري والدكتور سمير جعجع، ولا جنبلاط وحلفاؤه الوسطيون «ضاعوا» في منتصف الطريق بين 8 و14.


سعى كل طرف إلى تحصيل ما أمكنه من مقاعد نيابية ليطالب بالحدّ الأقصى من الحصص في المجلس والحكومة. وهذا طبيعي. ولكن، على أرض الواقع، ما يظلّل عملية التقاسم وتحديد الأحجام كمّاً ونوعاً، في الحكومة والمجلس، ليس حجم الكتلة النيابية بل التموضع السياسي الذي يرسمه «حزب الله»، ومعه بري، لا سواهما، في الحكومة كما في المجلس. فالثنائي الشيعي يقود غالبية نيابية مريحة جداً، للمرة الأولى منذ 2005.


لقد كان واضحاً ما قاله نائب رئيس المجلس إيلي الفرزلي: «ما حصل هو تصحيح لخطأ تاريخي وقع في 2005». ولذلك، يمكن القول إنّ تركيبة السلطة في السنوات الأربع المقبلة (هي تماماً عمر المجلس وعمر الحكومة وعمر العهد الرئاسي) لن تقبل أيَّ فرملة لعملية «تصحيح الخطأ».


وأظهرت وقائع اليومين الأخيرين أنّ «الواقعية» التي رعت صفقة 2016 لم تزل قائمة، بمعزل عن نقصان المقاعد النيابية لدى البعض أو أزديادها لدى البعض الآخر. فلا أحدَ مستعد لإعلان الانقلاب على الصفقة أو الخروج منها لأنّ التوازنات السياسية التي استجدّت ليست أفضل من تلك التي كانت قائمة في 2016.


وفي التفاصيل، لا يمكن الحريري أن يطالب بتحسين شروطه لأنه يخرج من الانتخابات بعدد أدنى من المقاعد النيابية، ولأنّ المطالبة قد تفتح الباب لتعديلات على التسوية ترتدّ عليه عكسياً، أي تكون في مصلحة الثنائي الشيعي وحلفائه.


وكذلك، قد لا تجد «القوات اللبنانية» أنّ لديها هامشاً واسعاً من المطالبة بتحسين الشروط، وإن كانت خارجة بكتلة نيابية مضاعفة، لأنّ الآخرين قد يردّون عليها بإطباق الحصار والعزل. وكان خروج «القوات» من هيئة المكتب رسالة تحمل مغازيَ ستنكبّ على درسها بدقّة، لئلّا ترتكب «دعسة ناقصة» في عملية تأليف الحكومة.


في اعتقاد «القوات» أنها تميّزت عن الكتائب بانتهاجها الواقعية السياسية. فهي لم تخرج من الحكومة من أجل المبادئ كما تفعل الكتائب، بل احتمت بالبقاء في السلطة، من دون الانخراط في النهج السائد، قدر الإمكان، ومواجهته من الداخل. وأما البديل فيكون بالمقاطعة والانعزال اللذين أثبتت التجربة أنهما ليسا الخيار المناسب. فالواقعية تبقى الأجدى، وإن لم تكن خياراً مثالياً.


إذاً، هناك مَن يعتقد أنّ «القوات» لن ترتكب، خلال عملية تأليف الحكومة، خطأ يبرّر عزلها، وستمارس أقصى ما يمكن للحصول على حصتها التي توافقت عليها مع «التيار الوطني الحر» في «تفاهم معراب»، أي نصف المقاعد المسيحية، خصوصاً أنّ المقاعد الجديدة المضافة إلى الكتلة «القواتية» تمثّل شرائح مسيحية حزبية أو مستقلّة لم تتمكّن من الوصول إلى المجلس.


كما أنّ «القوات» لن ترتكب خطأً في ممارسة العمل الحكومي يبرّر استفرادها وعزلها. وفي الحكومة الحريرية المستقيلة مارست «القوات» اعتراضها اختيارياً واستنسابياً، تبعاً لكل ملف ومسألة، وكانت تحظى بالدعم من بري و»الحزب» وجنبلاط في كثير منها.


إلّا أنّ الملف الأساسي المطروح اليوم بقوة في عملية التأليف، وسيكون مطروحاً على الحكومة بعد قيامها، هو الملف السياسي. فعلى الجميع أن يعلنوا اليوم قبولهم بالسير في خيارات «حزب الله» الإقليمية. وسيكون ذلك شرطاً أساسياً للتعاطي مع كل طرف في المرحلة المقبلة.


افتراضاً، إذا أعلنت «القوات» مثلاً دعمَها خيار الانفتاح على دمشق الأسد (طبعاً يصعب تَصوُّر ذلك)، فستجد نفسَها في موقعٍ حكوميٍّ قويّ، وقد تحظى بوزارة سيادية تطالب بها. والعكس صحيح. وكذلك، سيكون مع الحريري «كارت بلانش» إذا سار في طريق الانفتاح. والعكس صحيح.


النتائج التي أظهرتها انتخاباتُ رئيس المجلس ونائبه وهيئة المكتب وتكليف الحريري تؤكّد أنّ القوى الأساسية التي «صنعت» عهدَ الرئيس ميشال عون وحكومته لم تبدّل خياراتها، ولن تبدّل:


الثنائي الشيعي ماضٍ في الإمساك باللعبة، عون باقٍ تحت سقف التفاهم وكذلك الحريري وجنبلاط. وأما «القوات» الآتية إلى الصفقة مضطرة، والتي ربما تطمح إلى فرصة لإحداث تعديلات مريحة فيها، فستبقى أيضاً تحت سقف التفاهم، عندما تكتشف أنها لن تستطيعَ تثميرَ الرصيد النيابي سياسياً.


واضح أنّ البلد ما زال محكوماً بصفقة العام 2016، وبأنّ الانتخابات النيابية الأخيرة- مهما اختلفت التحليلاتُ لنتائجها- لن تمسّ الشراكة بين أركان هذه الصفقة على مدى السنوات الأربع المقبلة، وأنّ أيّ تعديل يمكن طرحُه على التسوية سيكون في مصلحة «حزب الله» لا سواه، لأنه بات أكثرَ قوة.


فإذا كانت غالبية القوى الداخلية تقيم حساباتها لنتائج الانتخابات «بالمفرّق»، أي بدراسة «رقميّة» بسيطة لكل كتلة، فإنّ «الحزب» يقيم حساباته «بالجملة»، أي: ما هو الخيار الاستراتيجي الذي حاز الغالبية في الانتخابات؟


وهنا يبدو الجواب واضحاً: «الحزب» وحلفاؤه حازوا الغالبية. والخلافات،»العميقة» منها و»التكتيكية»، بين بري وباسيل تبدّدت مفاعيلها في لحظة.

 

والخلافات مع الحريري لم تعطّل «التفاهم العميق» معه. وأما التوافقات بين الحريري وجعجع فظهرت مجرد تبريد للأعصاب، فيما الشراكة معقودة مع باسيل. وهكذا، فإنّ نهج الحكومة الحريرية المقبلة لن يكون سوى استكمالاً لنهج الحكومة الحريرية الحالية. وأما 14 آذار فقد ثبت بالوجه الشرعي أنها أصبحت في خبر كان.