حوارٌ نادرٌ وعميقٌ مع الفيلسوف الرّاحل موسى وهبه، يتناول فيه تجربته السّياسيّة في انضمامه الى الحزب الشّيوعي اللبناني وتركه لهذا الحزب بسبب لجوئه الى العنف في الحرب الأهليّة اللبنانيّة. يتكلّم وهبه عن نفسه، لكنّه، في الواقع، يتكلّم باسم كل مفكّر، كل فيلسوف، كل مثقّف، يرفض أن يكون العنف وسيلةً من وسائل التّغيير السّياسي. فالمفكّر لا يستطيع أن يضع نفسه تحت قيادةِ شخصٍ أكثر غباءً منه وأقلّ مروءةً. نشجّع الجميع على قراءة الحوار؛ لأنّه ما زال راهنًا. ويبدو أنّه أُجري في بداية التّسعينات.

   جمال نعيم 

 من الجامعة إلى السياسة... فالحرب موسى وهبه: أحلم بسياسة أخرى يقوم بها أناس مهيأون لذلك

في إطارِ حواراتٍ مع لبنانيين ممّن دخلوا الجامعة في الستينيات وعايشوا الصراعات الإيديولوجية التي أعقبتها الحرب الأهلية، نشرنا حوارات مع برهان علوية وغسان العياش وخالد زيادة وبول شاوول والياس عطا الله ومحمد بيضون ومروان فارس وكريم مروّة ونصير الأسعد.  واليوم ننشر حوارًا مع موسى وهبه. أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية وأحد قادة العمل الطلابي اللبناني في فرنسا في بدايات السبعينات.

• أين تلقيت دروسك الجامعيّة؟ من أين أتيت الجامعة؟ وكيف وجدتها؟ - دخلت الجامعة وخرجت منها قبل أن تدخل إليها، لحسن الحظ، نعمةُ السياسة، أي في زمنٍ كان ما يزال الهمُّ الأكاديميّ يتقدم على الهمِّ السياسيّ عند الطلاب من دون أن يعنيَ ذلك أنه لم تكن لديّ ولديهم آراءٌ سياسية. وعندما عدت في 1974 إلى الجامعة نفسها أستاذًا بعد عشر سنين من خروجي منها كانت قد صارت، بفضل التحريك النضالي والعجز الإداري والرسمي، ثانويةً ليليةً مجانيةً كبيرةً وصارت الدروس تعلق للاحتفال بالذكرى السبعين لميلاد الرئيس كيم ايل سونغ مثلًا؛ لأنَّ مثلَ هذا الاحتفال صار أهمَّ من أيِّ تعليمٍ أكاديميٍّ جافٍ ومستوردٍ. وكان الشعار التربوي لدى جميع الأطراف، بلا استثناء، نريد جامعةً وطنيةً ذات ثقافةٍ وطنيةٍ. أنا لم أشارك في إنشاء اتحاد الطلاب ولا في نضالاته ولم أسهم بالتالي – لأنّي لم أكن في الجامعة- بإحرازِ النصر الطلابي الذي حول الجامعةَ إلى جامعةٍ وطنية ٍبالفعل، على قياس الوطن بثقافةٍ وطنيةٍ حتى العظم من بلديات التراث ومحلياته وحواضره. • يبدو من كلامك أنّك كنتَ دائمًا خارج «النضال الطلابي». أعرف مثلًا أنك كنتَ تقود تنظيمًا تابعًا للحزب الشيوعي اللبناني في باريس في مطلع السبعينات. - قلت إنّني كنتُ خارج النضال في الجامعة، سابقًا ولاحقًا، وأشرت إلى ذلك. هذا لا يعني خلوِّي من الآراء السياسية. كنت ماركسيًّا على غرار مثقفي العالم الثالث الذين لم يسمعوا بالمؤتمر العشرين للحزب السوفياتي. وبتأثير مباشر من أسطورة تشي غيفارا بدأت أقترب من الحزب الشيوعي اللبناني. وعندما سافرت إلى باريس وجدت نفسي ضمن مجموعةٍ طلابيةٍ من الميولِ نفسها كانت قد تعبت من ردِّ الهجمات اليسارية في مطلع السبعينات بصدد الحل السلمي وجملة مسائل نظرية أخرى. فكلفوني بالقيام بهذه المهمة. وهكذا وجدت نفسي في الماءِ قبل أن أتعلمَ السباحة. وصاقب الوضعُ ميولي الشخصية فأنشأتُ تجمُّعًا للطلبة مستلهمًا خط الحزب الشيوعي اللبناني ومستفيدًا من تجربة الحزب الشيوعي الفرنسي وأسميناه «جبهة الطلبة الديمقراطيين اللبنانيين في باريس». وفجأةً صرتُ قائدًا طلابيًّا. في الحقيقة لم يكن هناك تنظيمٌ شيوعيٌّ، بل تنظيمي الخاص الذي تبناه الحزب. ومع ميلي الشديد نحو الديمقراطية في العلاقة السياسية فقد تبين لي، بالممارسةِ، أنَّ ذلك كلامٌ فارغٌ؛ لأنّ المنضوين تحتَ لواء ما، ليسوا بحاجة إلى الديمقراطية إلا كشعارٍ نحو الخارج؛ لأنَّ أبصارهم شاخصةٌ نحو الخصمِ، ولأنَّ الجماعةَ لا تفكرُ ولا تناقشُ، بل تستوضحُ وتنفعلُ فقط. والواقع أنني عندما عدت إلى لبنان، وجدتُ أنَّ ما كنت أمارسه في تلك الجماعة المنتظمة حولي، كان مغايرًا تمامًا لخط الحزب الشيوعي كما ظهر في سنة 1974. • أنت في تلك الفترة ألم تكن تحمل شيئًا من سيئات الحزبي الذي وصفت؟ - لا أعرف إذا كان ذلك سيئًا أم حسنًا. كنا نضع شعارًا نجتهد أن يكون متناسبًا مع الشعار المرفوع هنا فيصير الشعار كيسًا يلف رأسنا ويحدد لنا زاويةً نرى منها إلى العالم. يمنحنا الموقفُ قدرةً هائلةً على تسفيه كل شيءٍ ويحمينا من النظريات المستجدة في الاجتماع والتاريخ والسيكولوجيا، ويمنحنا القدرة على البتِّ في أعقد الأحداث العالمية. فالإيمان المبسط يمنحك الراحةَ الفكريةَ التي تجعلك قابضًا على مفتاح العالم. بين يديك فهرسٌ صغيرٌ لكل ما حدث وما سيحدث. كتابُ جيبٍ مطاط يستوعبُ، وقابلٌ للتأويل إلى درجة لا تصدق. وكم بدت المبادئُ الأوليةُ للماركسية مهيأةً لمثل هذا الفعل. • اقترابكم من الحزب الشيوعي الفرنسي هل كان من أجل أن تتمكنوا من مجابهة فكر اليسار الجديد الصاعد آنذاك؟ - ثمةَ مغالطةٌ بسيطةٌ. في مطلع السبعينات كان اليسارُ الجديدُ واليسار الماويُّ بخاصة، يمر في أزمة بعد انهيار ثورة 1968 الطلابية. كان ينهار على الصعيد الفرنسي لينتعش في صفوف المهاجرين من طلبةِ وعمالِ العالم الثالث. وكما هو الحال دائمًا مع شبيبة العالم الثالث، التي تعيش في الماضي القريب، فقد كانت الماركسيةُُ، بتأويلها الماويّ هي الأفيون الشافي نظرًا لبساطتها وطابعها الديني. وكان التوسير من جهة أخرى، على تخوم اليسار،  ضمانةً كافيةً للمثقفين الشيوعيين من أجل البقاء في حٌمّى الفهرس المشهور.  في الحقيقةِ، أنا أتكلم على نفسي. إنّ اقترابي من الحزب الشيوعي الفرنسي كان لسببٍ نظريٍّ، هو التوسير رغم وجوده على هامش الحزب. ولسببٍ نفسيٍّ يعود إلى تبني الحزب الفرنسي الوصول إلى الاشتراكية بالطرق السلمية. وأعتقد أنَّ ميلي إلى الحلول السلمية هو ميلٌ نفسيٌّ أصيل. فأنا أكره العنفَ وأخافه. ومثلاً لم أكن أصدق أنَّ الثورة البوليشفية أسالتْ مثل تلك الدماء التي سالت. لقد كنت خياليًّا وحالماً أتصور أنَّ الأمورَ كلها تسوى بالاقتناع والحسنى. عندما كنت أقرأ عبارة انجلس، التاريخ يجرُّ عربته المظفَّرة فوق جثث القتلى، كنت أظنّها ادانةً للتاريخ الما قبل إنساني بحسب تعبير ماركس المشهور. ولم يكن يدور في خلدي أنها شعارٌ ومثالٌٌ يجب أن يحتذى. • في عملك السياسي آنذاك، وفي سبيل إنجاح قضيتك داخل الطلاق، أمَا كنت تحارب بمعنى ما؟ على صعيد سلوكك السياسي أقصد؟ - أعتقد أنك تمُطُّ معنى الحرب لتبرر الحرب. وأرى أن ليس كل صراع هو حربًا. وأنّ ثمة فرقًا نوعيًّا بين الحرب وغيرها من وسائل النزاع الاجتماعي. الحرب تقتل، تلغي الكلام، تحتكم إلى آلةٍ مادية. أما الكلام فيمنح السيطرة مع البقاء على الخصم حتى يصير بإمكان الكلام أن يستمرَّ ويتوالد. أنا في السابق لم أكن محاربًا. كنت متكلمًا دوغمائيًّا وحازمًا ومتيقنًا. وهذا ما أعطاني القوة لبعض النجاح الذي أحرزت. لكنّي كنت دائمًا ضد استعمال العنف . وأذكر كم كانت أزمتي حادة يوم سمعت عن النزاع الدموي المسلح الذي وقع سنة 1973 في الجامعة اللبنانية وكان مؤشرًا لمدى همجية طليعتنا اللبنانية وتمرينًا أوليًّا لكابورالات الحرب الأهلية وجنودها.   • كيف كنت توفق بين كونك حالمًا وذهنيًّا واندفاعك إلى السياسة في الوقت نفسه؟ - أنا يا صديقي، كما قلت، كائنٌ نظريٌّ وخياليٌّ، أي مثاليٌّ بالمعنى الشائع للكلمة. ومجيئي إلى السياسة أو مروري بها، كان عن هذا الطريق. حتى اكتشفت أنّ السياسةَ شيءٌ مختلفٌ تمامًا. إنها عملٌ في الواقع وتدبيرٌ بالمعنى الديني للكلمة. ولذا رأيتني أفشلُ في السياسة دائمًا. وصرت أعتقد أنّ السياسة صنعةُ الواقعيين والمدبرين والنساء. وأعتقد أنَّ أفضل الأحزاب والجماعاتِ حزبٌ على رأسه رجلٌ أو رمزٌ كلِّي القدرة، أو يبدو كذلك. قدامه أقلية فاعلة تشدها إلى الزعيم والرمز صبابة مكبوحة. إنّ جماعةً مثل ما وصفت لا يصيبها مكروهٌ، وكلما زاد فشلها وعزلتها كلما زاد التحامها. وما يسمّى التاريخ والحرب والسلم ليس في النهاية سوى السيرة الذاتية لزعماء مثل هذه الجماعات. • خروجك من السياسة كيف كان؟ - قلت أنا نظريٌّ وحالمٌ لا أستطيع أن أقليَ بيضةً من دون أن ألطّخَ ثيابي، واهتمامي السالف بالسياسة كان دائمًا على مستوى تجسيد الحلم والتخيّل. ومن البديهي أنَّ رجلًا مثلي يميل إلى رؤية الأشياء كما تصوِّرها له نرجسيتُه يمكن خداعهُ بسهولةٍ فائقةٍ. لكن ما إن يكتشف أنّه مخدوعٌ، وغالباً ما يكتشف ذلك مؤخرًا، حتى يصبح حذرًا ومتطيِّرًا بشكلٍ لا يوصف ويحتاط من الخداع كما كان يحتاط أهل القرى من الذئاب، أي يقفلون أبوابهم جيّدًا. • وكيف لك ذلك؟ - عندما عدت إلى لبنان، إلى رفاقي المفترضين وجدت أحلامي في وادٍ وممارساتهم في وادٍ آخر. حاولت أن أفهم، أن أبرر، أن أخطئ نفسي كما يفعل كل مناضلٍ مثاليٍّ. لم أكن مقتنعًا بجدوى الحرب الأهلية اللبنانية. لم أكن موافقًا على استعمال السلاح. وأقصى ما يحتمل مزاجي إضرابٌ عامٌ أو موقفٌ سياسيٌّ. كنت أنظر إلى الشعارات المرفوعة فأشعر أنها لا تعنيني. هذا فضلًا عن عدم قدرتي على تأويلها ماركسيًّا. حاولت أن أغيّر ثمّ خفّ طموحي مع تقدم الحرب الأهلية وانكفأتُ الى المعارضة الداخلية حتى اكتشفت أنَّ المعارضة من الداخل هي من حملة الديكور اللازم ليسري الدم في عروق الجماعة. ويمكننني القولُ أن الكيسَ الذي كنت أضعه على رأسي كان قد تشقق في 1976 مع بداية حرب الجبل الأولى. وعندما اكتشفت بالضبط أن المعرفة النظرية، أي أنا في النهاية، هي دائمًا في موضعٍ ثانٍ وثانوي ليس فقط لأنَّ هذا هو موقعها الطبيعي بل لأنَّ النظر الهادف إلى العملِ يرتب نفسه دائمًا على هذا الأساس فيضع العمل والتأثير في الواقع والغاية المرتجاة قبل أي شيء آخر. تشققَ الكيس لأنني انتبهت أنّي لا أصلح للسياسة والتغيير. ولسببٍ بسيطٍ أنني لا أقبل الموقع الثاني. لا أقبل أن يقودني رجلٌ أكثرُ غباء مني وأقلُّ مروءةً. أنا ألا أقبل إلغاء فرديتي لصالح فردية أحطُّ منها. وكل فردية احد ولها الحق مع ذلك بالتنفس. • هل يطال حلمك الأخير نموذجًا آخر للسياسة؟ - أحلم بسياسةٍ آخرى. سياسة لا أقوم بها أنا بل أناس مهيأون لذلك، وإذا كان لا بد من نموذجٍ، ففي نهاية هذا القرن الدموي فلست واجدًا في العالم أفضل من ليش فاليسا العامل البولوني الذي يكبل آلة عسكرية جبارة والذي يبدو جميع ساسة العالم أقزامًا عند قدميه.

أجرى الحوار: حسن داوود