إلى الذين يفكرون بالتشويش على انتخاب الرئيس نبيه بري رئيساً للمجلس النيابي الجديد أو الإعتراض والإحتجاج عليه عن طريق المقاطعة أو الورقة البيضاء، إلى هؤلاء اسدي النصيحة المقتضبة التالية وبكل محبة وقناعة وحرص: أقلعوا عن هذا التفكير وعودوا إلى الواقعية السياسية ...

في الواقع النيابي أولاً، ليس هناك من منافس لنبيه بري على رئاسة المجلس بعدما حسم تحالف (أمل – حزب الله) أو ما اصطلح على تسميته "الثنائي الشيعي" وأثبت أن الكتلة الشيعية الناخبة هي كتلة متراصة ومتماسكة، وأن ليس بينها نائب واحد خارج هذه الثنائية، وحتى مصطفى الحسيني الذي لم يكن على لوائح التحالف الشيعي لم يتأخر في وضع نفسه في كنف وتصرف هذه الثنائية...
باختصار إذا كانت "زكزكة" الرئيس بري وإثارة حساسيته في انتخابات رئاسة المجلس عامي 2005 و2009 أمراً ممكناً ومتاحاً مع نواب شيعة منتمين إلى فريق 14 آذار، فإنه مع مجلس العام 2018 حتى "الزكزكة" لم تعد ممكنة ولم يعد من خيار أمام الجميع إلا الامتثال للواقع ولخيار الفريق الأقوى الممثل للطائفة الشيعية...
وهنا يجب علينا القول إن نبيه بري رئيساً للمجلس النيابي ليس لأن الواقع النيابي يفرضه ويجعل أن لا منافس له ولا معركة على رئاسة المجلس النيابي طالما ليس هناك من مرشح آخر...
نبيه بري رئيس للمجلس النيابي لأن لا بديل عنه ولأنه الخيار الأفضل والأنسب في هذه المرحلة وفي كل المراحل السابقة واللاحقة، فهو من اكثر الشخصيات اللبنانية حرصآ على الصيغة اللبنانية، كما انه من القلائل الذين يفهمون جيدآ التركيبة الداخلية المعقدة، ولا نبالغ إذا قلنا أن نبيه بري أثبت دوماً أنه صمام الأمان والوحدة، وهو عنصر مكوّن من مكونات الاستقرار السياسي، وهو في أساس ونجاح التسوية الرئاسية التي ما زالت مفاعيلها مستمرة وفي أساس ثبات وصمود هذه التسوية رغم كل الضغوط والتحديات.
وإذا استعرضنا كل المراحل والمحطات والاستحقاقات التي مرّت على لبنان منذ العام 2005 وحتى اليوم لوجدنا من دون عناء أن الرئيس نبيه بري كان مفتاح حل كل الأزمات السياسية والتخفيف من وقعها والحؤول دون تفاقمها وانفجارها:
- الرئيس بري هو الذي "ابتدع" فكرة الحوار الوطني ودعا إليه تحت قبة البرلمان عام 2006، وهو الذي وافق على بقاء حكومة السنيورة نهاية ذلك العام على الرغم من استقالة الوزراء الشيعة معتبراً الحكومة قائمة واقعياً لكنها فاقدة للميثاقية، وهو الذي وقف بصلابة ووضوح إلى جانب الجيش اللبناني في معركته ضد الإرهاب بنسخته الأولى التي أطلت من مخيم نهر البارد.
- الرئيس بري هو الذي ساهم في صنع "تسوية الدوحة" وإنجاحها، وعندما كانت البلاد لفترة طويلة منقسمة عامودياً بين 8 و 14 آذار عرف بري كيف يلعب دور الجسر بين الفريقين ويعمل على احتواء الانقسامات والتوترات الحادة وعلى تدوير الزوايا واجتراح الحلول التي كانت أحياناً على حسابه في أزمات تشكيل الحكومة كما حصل مثلاً عندما تنازل عن مقعد شيعي في حكومة نجيب ميقاتي لمصلحة الوزير السني فيصل كرامي...
- لم يتردد نبيه بري في إلغاء أو تأجيل اي جلسة نيابية يقاطعها نواب طائفة بأكملهم أي فاقدة للميثاقية، كما لم يتردد في عدم السير بانتخابات نيابية في موعدها لأن تياراً أساسياً يمثل أكثرية الطائفة السنية وهو تيار المستقبل قرر مقاطعة هذه الانتخابات لوجود زعيمه في الخارج... وظل حريصاً ومؤتمناً على "الميثاقية" التي كرسها كقاعدة جديدة من قواعد التوازن والحفاظ على خصوصية التركيبة اللبنانية.
- عندما نشأ الفراغ الرئاسي مع تعذّر انتخاب بديل عن الرئيس ميشال سليمان، قام نبيه بري بإدارة مرحلة الفراغ بطريقة متوازنة راعت كل الاعتبارات والحساسيات ونجح في تقطيع مرحلة هي الأدق والأصعب في تاريخ لبنان...
- عندما دقت ساعة التسوية وتوافرت ظروف انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة جديدة "مشى" الرئيس بري بهذه التسوية وساهم في صنع ظروفها رغم أنها تأتي برئيس للجمهورية لم يكن يريده، حيث كان له خيار آخر جاهر به وظل متمسكاً به حتى النهاية...
- قبل الانتخابات كان للرئيس بري فضل أساسي في صناعة وإقرار قانون جديد للإنتخاب ثبت في الممارسة أنه صحح التمثيل الشعبي سياسياً وطائفياً وجعله أكثر عدالة وتكافؤاً... وبعد الانتخابات كان واضحاً في الدعوة إلى التهدئة والتعقل وإلى تشكيل حكومة جديدة في أسرع وقت ممكن نظراً لكثافة وخطورة المشاكل الداخلية والأوضاع الإقليمية والدولية.
نبيه بري هو من القلائل الذين لا يضيّعون "البوصلة" ولا يضيعون في متاهات وزواريب السياسة ولا تصرفهم المعارك الانتخابية الوهمية عن الأخطار الفعلية والداهمة، ونحن الآن على مشارف مرحلة إقليمية شديدة الخطورة، لا بل في خضمها ووسطها، ليس هناك من خيار أمام اللبنانيين إلا الحوار والتفاهم والحفاظ على "التسوية" وتثبيت الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي وتشكيل حكومة واستئناف الحوار الوطني برعاية وإشراف الرئيس ميشال عون، كل هذه الاستحقاقات والملفات المتدافعة والمترابطة لا يمكن إنجازها من دون الرئيس نبيه بري الذي يظل، واليوم أكثر من أي وقت مضى، مركز التقاطعات ومحور اللعبة والقادر على إدارة التوازنات والتناقضات.
بعد كل ذلك، تكون دعوتنا إلى الطرف المتحفظ أو المعترض على تجديد رئاسة مجلس النواب للرئيس نبيه بري وتحديداً القوى المسيحية الذي أعطاها القانون الجديد أكثرية مسيحية واضحة، دعوة محقة وواقعية، إنسجاماً مع المصلحة الوطنية العليا التي من ضمنها مصلحة المسيحيين، وانسجاماً مع الطروحات والمطالب الصادرة عن الفريق المسيحي الذي كان ولا يزال هاجسه الدائم "الرئيس القوي" الممثل لطائفته وفريقه...
فإذا كان هذا "الثنائي المسيحي" منسجماً مع نفسه عليه أن يدعو إلى رئيس مجلس النواب القوي ورئيس الحكومة القوي وأن يقبل تطبيقاً شاملاً لقواعد اللعبة وأن لا يكرّر الخطأ الذي وقع فيه الفريق الإسلامي سابقاً بشقيه "السني والشيعي" عندما رفض تمثيلاً صحيحاً وفعلياً للمسيحيين في رئاسة الجمهورية ...
المسيحيون في موضوع رئاسة المجلس النيابي عليهم احترام خيار من يمثل فعلاً الطائفة الشيعية أي "الثنائي الشيعي"، وهذا كان واضحآ من خلال نتائج الانتخابات احب البعض ام لم يحب... وفي رئاسة المجلس ليس هناك من بديل لنبيه بري وليس هناك من رئيس للمجلس "إلاه"...
ومن له اذنان سامعتان فليسمع.