يمرّ لبنان باستحقاقاتٍ أمنيّةٍ وعسكريّة بعد معركة «فجر الجرود» في الصيف الماضي، في حين تبقى العيونُ شاخصةً الى الجيش اللبناني لمعرفة طريقة تصرّفه عند وقوع الخضّات.
 

لو تُرك للطبقة السياسية أن تتدخّل في كل شاردة وواردة وتمدّ يدها الى المؤسسة العسكرية، لما كنّا شاهدنا الجيش في هذه الجهوزية، وبعيداً من التجاذبات السياسية التي تحصل.

لكنّ اللافت أنه بعد زوال خطر «داعش» من جرود القاع ورأس بعلبك، وجبهة «النصرة» من عرسال بقي الإستنفارُ الأمني على ما هو عليه، حتّى أنّ مستوى الأهتمام الأميركي والبريطاني لم يتغيّر، لا بل ارتفع في مراحل معيّنة.

وتشهد اليرزة إجتماعاتٍ مكّوكية بين قيادة الجيش وموفَدين أميركيين وبريطانيين، وكأننا نعيش المرحلة الأولى من حرب الجرود ضدّ الإرهابيّين. واللافتُ أيضاً هو الموقف المتقدّم الذي صدر عن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) يوم الجمعة الماضي، والذي أكّد إستمرارَ واشنطن دعم الجيش اللبناني وتسليحه وتدريبه بغضّ النظر عن المكاسب الإنتخابية التي حققها «حزب الله» في الإنتخابات التي جرت.

وفي هذا الإطار، يشرح مصدر عسكري لـ»الجمهورية» خلفيات موقف البنتاغون، ويقول إنّ الأميركيّين لمسوا كيف يعمل الجيش اللبناني، واكتشفوا أنه مؤسّسة مستقلّة قائمة بحدّ ذاتها، وليست لها أجندات خاصة، بل هدفها حماية الشعب اللبناني والحدود، وصون الأمن والإستقرار.

ويؤكّد المصدر أنّ واشنطن والدول كافة باتت على يقين أن لا إرتباط بين الجيش و»حزب الله» أو أيِّ حزب آخر كما حاول البعض التسويق سابقاً، وبالتالي فإنّ عمله هو تقنيٌّ إحترافيّ وليس سياسيّاً، وهو لجميع مكوّنات الشعب اللبناني وليس لفئة ضد أخرى.

ويشدّد المصدر على أنّ قيادة الجيش حازمة في هذا المجال، وهي ترفض أن يُصبَغَ الجيشُ بصبغة حزبية أو سياسية.

وبالنسبة الى استمرار برنامج الدعم الأميركي والبريطاني للجيش اللبناني، فيوضح المصدر العسكري أسبابَه واستمرارَه بعد معركة «فجر الجرود». ويكشف أنّ المعركة مع الإرهاب لم تنتهِ بعد، فتنظيمُ «داعش» قد انتهى وجودُه عسكرياً، لكنّ الشبكات الإرهابية ما تزال موجودة، ويتغلغل قسمٌ منها في الداخل السوري، من هنا يتخوّف الجميع من عودتها الى لبنان.

ويكشف المصدر عن حصول اجتماعاتٍ إستخباريّة مع أجهزة بريطانية وأميركية وغربية وعربية، هدفها التنسيق بين الأجهزة من أجل ملاحقة بقايا «داعش»، وقد أحيط الجيشُ علماً بأنّ المعركة ما تزال مستمرة، ويجب ضرب تلك الشبكات، فإحتلال «داعش» لمنطقةٍ معيّنة أمرٌ خطير، لكنّ الشبكات الإرهابية أخطر لأنها تتغلغل بين الناس وتنفّذ العمليات الإنتحارية، وهذا الأمر يُذكّر بما فعله تنظيم «القاعدة» بعد هزيمته في أفغانستان، إذ إنه استمرّ بتنفيذ العمليات وإغراق الدول بالدماء.

من هنا، يؤكّد الجيش على أهمية التنسيق الإستخباري مع الأجهزة العالمية، والذي يُعتبر المدخل لضرب الشبكات، لأنّ تلك المجموعات الإرهابية عابرة للدول، ولا يستطيع جهاز في دولة معيّنة ملاحقتها في بلدان عدّة.

وإضافة الى الدعم الإستخباري، يكشف الجيش عن إستمرار الدعم البريطاني لبناء أفواج حماية الحدود البرّية، لكنّ الأهم في تجهيز تلك الأفواج هو بناء أبراج المراقبة المتطوّرة على طول الحدود الشرقية وحتى الشمالية لضبطها وعدم العودة الى المرحلة السابقة، في حين إنّ المساعدات الحربية الأميركية مستمرّة بالتدفّق، ولم شيء تغيّر .

يطمئنّ الجيش اللبناني الى استتباب الوضع الأمني، وإبقاء المؤسسة العسكرية خارج التجاذبات السياسية، خصوصاً أنّ التعليمات كانت واضحة وجازمة بفصل الجيش عن الزواريب السياسية والإنتخابية وعدم تدخّله إنتخابياً، وخصوصاً في جبل لبنان، لأنّ لحظة دخوله في اللعبة السياسية ستكون نقطة تحوّلٍ أساسية قد تدفع الى شرذمته، فيما البلاد في غنى عن مثل هكذا إشكالات وتفكّكات، تشكّل الضربة القاضية لمشروع الدولة.