عندما يغيب أكثر من نصف الشعب اللبناني عن المشاركة في هذا المهرجان الانتخابي الفولكلوري فهذا يؤشر إلى حالة اليأس والإحباط
 

الإنتخابات النيابية الأخيرة التي جرت يوم الأحد الماضي في السادس من الشهر الجاري يمكن وصفها بأي شيء إلا بالديمقراطية، وقد غاب هذا المظهر الحضاري عن كل تفصيل من تفاصيل المشهد الانتخابي، وهي بالتالي لم تكن تعبيرا عن إرادة الناس ولا تمثل طموحاتهم وآمالهم وأحلامهم.  فالديمقراطية الصحيحة كانت الغائب الأكبر عن هذه الانتخابات من ألفها إلى يائها، ومنذ لحظة الإعلان عن تحديد يوم الانتخابات وتحريك عجلة الماكينات الانتخابية انطلقت معها المؤثرات في تشويه الحقائق وتزوير إرادة المواطن التواق فعلا إلى مجلس نيابي يعبر عن مطالبه ويشاركه المعاناة التي يعيشها ويجمع اللبنانيين حول مشروع وطني يلم شملهم، لإنقاذ البلد من براثن الفقر والجهل والتخلف والتخفيف من عوامل التعصب الأعمى والاصطفافات الطائفية والمذهبية البغيضة، بل على العكس من ذلك فإن سير العملية الانتخابية والنتائج التي تمخضت عنها والمظاهر الاحتفالية بالفوز والمشحونه بالاستفزازات والتجاوزات والارتكابات المثيرة للغرائز جاءت لتعمق الشرخ بين اللبنانيين وتزيد من حدة الاحتقان والتفرقة والتنابذ والتباعد فيما بينهم، ما يعني أن الممارسة الديمقراطية لم يكن لها أي صلة بهذه الانتخابات لا من قريب ولا من بعيد. 

إقرأ أيضًا: سلاح الحزب أبدي سرمدي فعندما يغيب أكثر من نصف الشعب اللبناني عن المشاركة في هذا المهرجان الانتخابي الفولكلوري فهذا يؤشر إلى حالة اليأس والإحباط التي يعيشها هؤلاء من إمكانية التغيير والنهوض بالبلد نحو الأفضل في ظل هيمنة هذه الطغمة السياسية الحاكمة على مقدراته ومؤسساته ودوائر القرار فيه، إذ إن التنافس بين المكونات الحزبية والصراع فيما بينها من خلال هذه الانتخابات هما من أجل الإمساك بالقرار والهيمنة عليه والتحكم فيه وليس من أجل صياغة مشروع وطني والالتفاف حوله، وذلك بغية إحكام السيطرة على البلد والتفرد باتخاذ القرارات المصيرية المرتبطة بمستقبل شعبه وارتباطاته وتحالفاته الخارجية وحجم انخراطه في المحاور الإقليمية والدولية. 

إقرأ أيضًا: إعادة إنتاج السلطة في السادس من أيار وفي قراءة متأنية لنتيجة الانتخابات فإن بعض المكونات الحزبية استطاعت أن تزيد من عدد كراسيها في الندوة البرلمانية، فيما تراجع عدد نواب البعض الآخر من هذه الأحزاب، إلا أن هذا التراجع لا يعني بالضبط هزيمتها، أو أنه سيقف حائلا دون حصولها على نصيبها المفترض والوافر من كعكة الحكم، ولن يمنع عنها حصتها من الحكومة ومجلس النواب وكافة مؤسسات الدولة الأخرى بما فيها الجهاز القضائي والأجهزة الأمنية من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام ومخابرات وأمن دولة ومن الوظائف بكل تنوعاتها وعلى كافة مستوياتها.  فالطرف الفائز في هذه الانتخابات لم يحقق انتصاره على باقي الأطراف المنافسة له. بل أنه سيجير فوزه لتعميق هوة الخلاف بين اللبنانيين المشتتين أصلا تحت تأثير انتماءاتهم الحزبية وتحت وطأة هوياتهم الدينية، وهذا يقودنا إلى التأكيد بأن كل الأحزاب والتنظيمات والكتل السياسية قد تمكنت من تحقيق فوز _ وإن كان بمقادير متفاوتة _ ولكن ليس على بعضها وإنما انتصرت على الشعب اللبناني الذي انقسم بين معتكف عن المشاركة في انتخابات ميؤوس من نتائجها التي تعود على الوطن بالخير والأمل والمستقبل الزاهر، وبين مشارك فيها ولكنه خرج منها بمنسوب كبير من الإحباط من إمكانية إستعادة شيء من وهم الوطن الجميل القائم على أسس المواطنة، وعليه فإن المهزوم في هذه الانتخابات هو الشعب، أما باقي أركان السلطة فكلهم منتصرون.