هي بكل بساطة الإنتخابات "الأشد غرائبية" في تاريخ لبنان، بقانون إنتخابها، وتركيب لوائحها، بالموسم ككل، وبيوم الإستحقاق بكل تفاصيله، وليست أقلّها نسب التصويت، والمفاجآت التي لا تزال تتخبّط ببعضها البعض، وإعلانات النصر المتعاقبة من القوى السياسية المختلفة، بثنائية 8 و14 آذار التي غدت أثراً بعد عين، و"تفاهم معراب" الذي أصبح في خبر كان، و"تفاهم مار مخايل" الذي صار السؤال وجيهاً عمّا بقي منه، بالتطرّف الذي يستنهض التطرّف، والإعتدال الذي ليس سهلاً على الدوام أن يثبّت أن في إعتداله قوّة، وبالحاجة الماسة اليوم أكثر من أي وقت مضى للمبادرة، المبادرة التكتيكية للقوى الديموقراطية المتضرّرة من هذا "النسق"، نسق الأحاديات والثنائيات القابضة على طوائفها، هذا المسخ المتمادي للتعددية، ويقابله أكثر فأكثر انطواء نسبة غير قليلة من اللبنانيين على معاشها اليومي، بعيداً عن الحياة السياسية والإنتخاب.

لا يمكن اختزال إستحقاق شارك فيه مئات الآلاف من الناخبين بسلبياته. ثمّة معطيات ديموقراطية لا يمكن تجاوزها أتى بها هذا الإستحقاق، ولو جاءت مبعثرة، ولا يمكن التقاطها بالإختزال والتسرّع. فالمسألة ليست انتخابات يعقبها تداول على السلطة. المسألة انتخابات في بلد يقول الشيء ونقيضه في نظامه، الديموقراطية البرلمانية المبنية على انبثاق الحكم من الأكثرية البرلمانية، والتشويه الطائفي للديموقراطية البرلمانية المبني على تحويل الحكومات إلى برلمانات موازية، وعلى تعطيل قاعدة الفصل بين السلطات، ومعه التداول على السلطة في إطار دستوري سليم.

انتخابات غرائبية كانت. ليس فقط للمفارقات الناشئة عن الجمع بين مبدأ اللائحة المقفلة وبين الصوت التفضيلي. أيضاً وقبل كل شيء لأنّ الانتقال الى نظام التصويت النسبي من دون مأسسة نظام أحزاب حقيقي في لبنان هو الذي سيفضي إلى هذا المهرجان من الهستيريا والذئبية في التنافس على الصوت التفضيلي بين المتحالفين مع بعضهم البعض، ومع اختلاف واضح هنا بين كيفية تسخير هذا النظام من قبل الأحزاب ذات التنظيم الحديدي وما بين الحزبيات التي تبقى أكثر مرونة، رغم جميع مشكلاتها الأخرى. نسبية من دون أحزاب فيها الحد الأدنى من الديموقراطية الداخلية هي نسبية مشوهة للغاية. نظام الأحزاب لا يولد بالارتجال. يحتاج الى تشريع وإطار تطبيقي له.

انتخابات غرائبية كانت. قسم لا يستهان به من الناخبين تعامل بارتباك مع هذا القانون، وهو يدلي بصوته. وهنا أيضاً، هذا ليس بسبب أزمة وعي أو تثقيف سياسي واعلامي، وان كان ثمة جهد لم يبذل لتسهيل القانون على الناس شرحاً، بل انه يرجع مرة أخرى الى كونه نظاماً نسبياً، بلوائح مقفلة من دون نظام أحزاب، وبتفاوت بين أحزاب حديدية النمط وبين حزبيات أكثر مرونة، مع تشارك الفئتين في الكثير من عناصر الابتعاد عن مفهوم الحزب السياسي الحديث في بنية ديموقراطية.

وبانتظار اتضاح الصورة الإجمالية وكذلك التفصيلية للمجلس النيابي القادم، ومعه بداية الأخذ والرد حول مسار عهد الرئيس ميشال عون في ضوئها، وعملية تشكيل الحكومة التالية بعد الانتخابات، يبقى الكثير الذي ينبغي فعله في اتجاه مواز، من أجل اعادة السؤال حول الديموقراطية اللبنانية المشوهة، الى المطرح الصحيح: كيف يمكن الانتقال الى وضع يفرز أكثرية تحكم وأقلية تعارض؟ كيف يمكن احياء الفصل بين السلطات؟