حققت الآلة العسكرية الروسية إنجازات متتالية في سوريا. تمثلت: بإنقاذ الأسد من سقوط محتم عجزت إيران وأتباعها عن تحقيقه، وتمكين النظام السوري من بسط سلطته على كل مناطق ومحافظات سوريا المفيدة، وتطهير جيوب المعارضة المحيطة بالعاصمة، وتوفير الغطاء الدولي للنظام السوري الذي حال دون عزلته الكاملة وضمِن له شرعية دولية نسبية لكن معتبرة.

ما حققته روسيا لا يكتمل ولا يمكن قطف ثماره إلا بحل سياسي شامل: يوقف حرب الاستنزاف، وينهي الأزمة السورية، ويرسخ حضوراً ونفوذاً قويين في المنطقة وداخل بنية النظام الجديد. نفوذ وحضور يكفلان لروسيا: بقاء قواعد عسكرية لها تطل على البحر المتوسط، منافسة إقليمية للوجود الأمريكي، وجدوى اقتصادية في إعادة إعمار سوريا.

تبين أن روسيا، التي أثبتت حضوراً عسكرياً نافذاً في سوريا، أظهرت عجزاً في إنهاء الأزمة أو في اجتراح حل سياسي شامل. أسباب ذلك متعددة، بعضها يتعلق بمعطيات موضوعية ميدانية لا تملك روسيا إلغاءها أو حتى التحكم بها، وبعضها الآخر له صلة بسوء إدارة روسيا للأزمة.

دخلت روسيا إلى سوريا ظناً منها أنها ستكون صاحبة اليد العليا في الإمساك بالداخل السوري واجتراح الحل الذي ترتئيه. تبين لاحقاً أن روسيا لم تحسب حساباً جدياً ودقيقاً للعديد من القوى الإقليمية والدولية، بعضها حليف وبعضها منافس لها وخصم، ولم تجر قراءة معمقة لمقاصد واستراتيجيات العديد من الدول داخل سوريا. ما جعل روسيا مجرد قوة إضافية تضاف إلى هذه القوى داخل المجال السوري، لا تملك القدرة منفردة على حل اللغز السوري إلا بتسويات وتحالفات وحتى تنازلات صعبة يجعلها شريكاً عادياً لا وصياً متفرداً بمسار سوريا.. بل قد يعرضها تعقيد توزع القوى الدولية وتداخلها فوق الأراضي السورية إلى الوقوع في مواجهات مباشرة مع بعضها، وهو أمر سيكلفها الكثير وتحرص بشدة على تجنبه.

فإيران، الحليف الأول لروسيا في الظاهر لكن الخصم الأول لها في العمق، تجهد بخلاف الدول الأخرى في تأسيس حضور دائم وثابت لها. وتعمد، مثلما فعلت في لبنان والعراق واليمن، إلى ترسيخ تشكيلات عسكرية قوية، منفصلة عن الدولة وتوالي رأس النظام الإيراني ولاءً سياسياً مختلطاً برهبة دينية. فإيران تقول لروسيا بطريقة غير مباشرة لكِ السماء ولنا الأرض، ولا يعنيها حل الأزمة السورية، بل يهمها كسب الوقت لتأسيس بقاء لها مستدام ومستقل عن النظام السوري نفسه، مهما كانت طبيعته المقترحة القادمة. إنها ثنائية الدولة والدويلة، وصفة إيران السحرية في العالم العربي.

أما إسرائيل فقد أصرت على حقها في اختراق المجال الجوي السوري وإنزال ضربات قوية بالنظام السوري وإيران. وهو سلوك يسيء إلى سمعة روسيا التقنية، لجهة أن أنظمة الدفاع السورية مجهزة تجهيزاً روسياً بالكامل، ويحرج هيبة روسيا التي تقف موقف المتفرج من الضربات الإسرائيلية رغم ادعائها بأنها الحامي الأول للنظام السوري.

أما تركيا، فلها حساباتها الخاصة. ومهما حاولت روسيا اللعب على التناقضات الأمريكية التركية لاستمالة تركيا، فإن بنية تركيا العسكرية وشبكة مصالحها ونظام اقتصادها لن يخرجاها من معسكر الناتو والسوق العالمي الذي تتحكم قوى الغرب بمجرياته.  هذا فضلا عن رغبة تركية مؤكدة في تغيير معادلة النظام السوري، ليكون لتركيا حضور ونفوذ يوازي ويوازن الحضور الإيراني والروسي معاً.

أما دول الخليج العربي، وفي مقدمها السعودية والإمارات وقطر، وعلى الرغم من هشاشة حضورها السياسي في الداخل السوري والإشكالات المشروعة حول رؤيتها وأدائها في إدارة الأزمة السورية، إلا أن المشترك الديني المذهبي والقومي بينها وبين أكثرية الشعب السوري وتمثيلها للعمق العربي الفاعل في المرحلة الراهنة، مكنها من إحداث اختراقات عميقة داخل سوريا، ومن بناء جبهة معارضة سورية، عسكرية وسياسية، تمكنت في فترة قصيرة من تهديد وجود بشار الأسد نفسه.

حين اضطرت إيران إلى استيراد متطوعين أجانب لدعم نفوذها في سوريا، فإن دول الخليج العربي استطاعت تعبئة وتجنيد عدد كبير من الشعب السوري نفسه. هي إيجابية، على الرغم من أنها لم توظف توظيفاً محترفاً وذكياً، فرض على روسيا أن تحسب حسابها منذ البداية باعتماد سياسة متوازنة بين إيران ودول الخليج. هذا بالإضافة إلى أن أكثر كلفة إعمار سوريا القادم سيكون بمال خليجي، ما يبقي هذه الدول ضمن حلقة القوى الفاعلة والضرورية في حاضر ومستقبل سوريا.

أما الولايات المنحدة، الخصم اللدود لروسيا، فقد حققت مكاسب في سوريا بأقل خسائر ممكنة، باعتماد سياسة تقليل عدد الجنود وتوظيف التفوق التقني الذي يسمح بالانخراط المدمر في المعارك عن بعد من دون حاجة إلى الاحتكاك المباشر على الأرض (No boots on the ground). وهي سياسة أثبتت جدواها، ومكنها من وضع اليد على الحدود العراقية السورية، وفرض تقاسم نفوذ متساو تقريباً مع الروس على مساحات الأرض السورية. هذا فضلا عن إفشال أي مسعى روسي للتفرد بحل سياسي، إضافة إلى الضربات الرمزية ضد النظام السوري التي جاءت في سياق التلميح للروس بأن مجال القوة الأمريكية وفعاليتها وحتى بطشها يشمل كامل سوريا لا جزءً منها.  هي وضعية حفظت للولايات المتحدة القول الأخير بل اليد العليا في أي حل أو ترتيب سياسي مرتقب.

أمام هذا الوضع المعقد، عرفت روسيا كيف تصبح جزءاً من صراع مرهق في سوريا، لكنها عجزت عن الخروج منه، وفشلت في فرض ترتيبات جديدة لصالحها، ما جعلها تقدم خدمات جليلة للنظام السوري وإيران من دون مقابل معتبر لصالحها، لأنها أنقذت نظام الأسد من سقوط مروع وضمنت لإيران بقاء راسخاً من دون أن تضمن لنفسها عوائد أو مردوداً يوازي حجم تورطها العسكري والبشري والمادي.

فشل روسيا هذا لا يعود إلى وجود قوى منافسة ومكافئة لها على الارض فقط، بل يعود أيضاً إلى إخفاق روسيا نفسها في إدارة الأزمة. فالتفاؤل الذي أحدثه دخول روسيا على خط الأزمة السورية بأنها ستشق مساراً سياسياً وإعلامياً واستراتيجياً مختلفاً ومتفرداً.. مساراً يوازن بين ضرورة الدولة وبقائها من جهة ومتطلبات الشعب السوري بالتغيير والتنعم بالحد الأدنى من شروط الكرامة والحرية من جهة أخرى.  هذا التفاؤل سرعان ما تبدد، ليتبين أن روسيا دخلت سوريا من الباب الخطأ، حين اعتمدت منذ البداية ورقة خاسرة، وهي الدعم اللامحدود لنظام فقد أهليته وشرعيته في حكم سوريا، لنظام رهانه الوحيد في ممارسة السلطة والاستمرار في الحكم هو تعميم الرعب والخوف. هي وضعية فرضت على روسيا اعتماد سياسات خاطئة وفاشلة بحكم أن الأرضية التي تقف عليها مهتزة ومتهافتة بل مناقضة لطبيعة الأمور ومنطق التاريخ نفسه.

لذلك، وبدلاً من تأكيد تميزها عن حلفاءها الموضوعيين، النظامين السوري وولاية الفقيه، في تصوير الأزمة وإدارتها وابتكار حلول حقيقية وواقعية لها، إذا بروسيا تتبنى منطق حليفيها وتتأثر بأدائهما السياسي والإعلامي.  فتجدها تتبنى الأسلوب الإيراني في استعراض الترسانة الصاروخية لإثبات قوتها، وتنضم إلى الإعلام الممانع في التغطية على استعمال النظام للسلاح الكيماوي، وتنتهج نهجه في فبكرة أحداث وشهود واتهام هيئات التفتيش الدولية في نزاهتها وحرفيتها لإثبات براءة النظام السوري. الأخطر من ذلك، هو سقوط روسيا الأخلاقي المروع في تمكين النظام السوري من ممارسة أعمال إبادة ضد شعبه والتعمية عليها دبلوماسياً وإعلامياً.   هو تموضع يجعل أي مسار سياسي تتزعمه روسيا أو تتفرد به، لا يتعدى أكثر من كونه مناورة مفضوحة أو دعاية (propaganda) إعلامية هزيلة.

ربما كان دخول سوريا حاجة روسية للخروج من عزلتها الدولية، والضغط على الولايات المتحدة لتخفيف أضرار الأزمة الأوكرانية، وتأكيد عودتها الفاعلة إلى المسرح الدولي.  لكن من المؤكد أن روسيا دخلت سوريا دولةً عظمى بنظر الكثيرين، وستخرج منها، بنظر هؤلاء، دولة من دول العالم الثالث الهزيل.