رفعت الرسالة التي وجّهها الرئيس نبيه بري مساء الأحد الماضي أمام اللقاء السنوي للاغتراب اللبناني الذي تنظّمه حركة «أمل» من وتيرة الجدل القائم حول العملية الانتخابية التي دُعي المغتربون للمشاركة فيها للمرة الأولى. وما زاد الطين بلّة أنّ الجدل جاء ليزيد التشنّج على خلفية استغلال وزارة الخارجية لمؤتمرات الطاقة التي نظمتها واتّهامها باحتكار داتا المعلومات الخاصة بها. فإلى ما يمكن أن يؤدّي ذلك؟
 

لم تكن الساحة الاغترابية بحاجة الى رسالة رئيس مجلس النواب نبيه بري لترتفع فيها اجواء التشنّج القائمة على خلفية دعوة اللبنانيين المقيمين في الخارج للمشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة في 21 نيسان الجاري استباقاً لفتح صناديق الاقتراع في لبنان في السادس من أيار المقبل، فقد سبق أن تبودلت الاتّهامات عند محاولة تعطيل مؤتمر الطاقة الاغترابية في أفريقيا الذي عقد في ساحل العاج قبل فترة في أعقاب وصف رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل لرئيس مجلس النواب نبيه بري بـ «البلطجي» مع ما رافق من ذلك من اشكالات شهدتها السفارة اللبنانية في ابيدجان والتحرّكات التي شهدتها المناطق اللبنانية وبيروت بنوع خاص. وهو ما لم يحل دون عقد المؤتمر بمَن حضر من اللبنانيين المغتربين في افريقيا وغاب عنه وزير الخارجية لأسباب وُصفت بأنها أمنيّة.

لم يكن الإشكالُ الذي رافق عقدَ مؤتمر الطاقة الأفريقية في ابيدجان وحيداً فقد سبقته وتلته مواقف عدة انتقدت بشدة محاولات وزير الخارجية استغلالَ المؤتمرات لأهدافٍ انتخابية، مهما قيل فيه وعلى هامشه من مواقف فقد شكّل منصات اغترابية ودولية لباسيل للتعبير عن مواقفه الحزبية والسياسية والدبلوماسية العامة التي تناولت احياناً توجّهاته الخاصة قبل انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، والعهد من بعدها وهو ما أدّى الى سلسلة ردات فعل سلبية انعكست على اللبنانيين ومصالحهم الحيوية في عدد من الدول كما حصل في بعض دول وإمارات الخليج العربي وفي الداخل اللبناني والتي كانت تحذّر من محاولات استغلال المغتربين وتحويل بلاد الاغتراب التي ما زالت بعيدة من تأثيرات ما يجرى في الداخل وفي سوريا الى ساحة نزاع اضافية في ما بينهم. ففي بعض بلدان الإنتشار ما يكفي من تنوّع في انتماءات اللبنانيين السياسية والطائفية والحزبية والتي تكرّس الانقسامات في ما بينهم، ولكنّ محاولات إحيائها لم تكن ضرورية وليس أوانها اليوم.

ولا يهمل المتابعون لملفات وقضايا المغتربين عند الحديث عن هذا الموضوع حجمَ المؤامرات التي يتعرّض لها المغتربون اللبنانيون في أكثر من دولة في القارّات الست.

بدليل تعاظم جرائم القتل والسلب والتهجير التي يتعرّضون لها في اكثر من دولة وخصوصاً في بعض الدول الأفريقية وفي أميركا اللاتينية وفنزويلا والبرازيل. فالأنباء الواردة من تلك الدول تنقل أسبوعياً الجرائم التي تُرتكب بحقّهم على خلفيات غير تقليدية، هذا عدا عن سعي الموساد الإسرائيلي الى مطاردتهم في تلك الدول ومعه أجهزة المخابرات الدولية التي تلاحق مَن تسمّيهم «قادة الشبكات» التي تمتهن تبييض الأموال وممارسة تجارة المخدرات والممنوعات على انواعها عدا عن محاولات التهرّب الضريبي التي تقول بها انظمة بعض الدول كما السعي الى تطبيق القوانين الأميركية والأوروبية والخليجية الجديدة التي تقول بملاحقة المنظمات الإرهابية في العالم والسعي الى تجفيف مواردها المالية، ومنها منظمات وأحزاب لبنانية واسلامية مختلفة من بينها «حزب الله» و»داعش» والنصرة» والقاعدة وغيرها من المجموعات المدرَجة على اللوائح السوداء.

والى كل هذه العناصر المؤثرة في بلاد الإغتراب، وبعيداً من الأسئلة المتصلة بكلفتها على الخزينة العامة والتي لم تكشف بعد الى اليوم، ثمّة مَن ربط بينها وتأثيراتها على مجريات الانتخابات النيابية وقد زادت لوائح المسجَّلين على القوائم الانتخابية على 85 الفاً. ولذلك، فقد توجّهت الأنظار الى قراءة توجّهاتهم الإنتخابية، وهو ما فتح الباب بدون استئذان أمام ظهور سعي «التيار الوطني الحر» للإفادة منهم وهو أمر كان مستحيلاً لو لم تستخدم وزارة الخارجية طاقاتها البشرية في الإدارة المركزية والعالم من اجل هذه الغاية.

فكثر يعلمون انّ التعيينات والتشكيلات الدبلوماسية التي أُجريت قبل اشهر عدة جاءت على هذه الخلفيات. فباعتراف الأقربين والأبعدين أنّ وزير الخارجية نجح في توزيع المحازبين والأصدقاء أو مَن قدّموا ولاءاتهم الجديدة له وللتيار، على هذه المواقع الدبلوماسية في العديد من العواصم الكبرى والهامة ولا سيما عواصم الدول الكبرى كما في واشنطن وباريس على سبيل المثال لا الحصر.

وتأكيداً على هذه القراءة المعمّقة للتشكيلات والتعيينات في شكلها ومضمونها فقد ثبت أنّ بعض منظمي «مؤتمرات الطاقة» و«نجومها» باتوا في مواقع السفراء والقناصل العامين المعتمدين في العالم.

وهو أمر دعا معارضي وزير الخارجية الى اعتبارهم مندوبين لـ«التيار الوطني الحر» ولرئيسه قبل أن يكونوا سفراء أو قناصل لبنانيين. بدليل ما رافق بعض المؤتمرات التي عُقدت بعد هذه التعيينات والتشكيلات الدبلوماسية من إشكالات لم تكن في الحسبان وتركت ما يكفي من أجواء الإستهجان بسبب اجواء الفرقة التي قامت بين هؤلاء الدبلوماسيين والمغتربين في دول عدة. وما رافق مؤتمر ابيدجان ومن بعده مؤتمر باريس خير مثال على ذلك.

وما زاد من توجّس المعترضين على آلية التعاطي مع مؤتمرات الطاقة واهدافها ما كشَفت عنه الماكينات الانتخابية لجهة التسهيلات التي دفعت بعض مرشحي التيار الى التعاطي مع المغتربين بسهولة وبأقلّ كلفة ممكنة.

فما وُضع بتصرّفهم من «داتا المعلومات» الخاصة بهم بما فيها ارقامهم الهاتفية الخاصة وفّر طريقة للتواصل المباشر بـ «الرسائل الخلوية القصيرة» مباشرة من اجل عقد لقاءات في عدد من العواصم الأوروبية كما حصل في باريس وغيرها من العواصم العربية. كما زاد القلق عندما كشفت الإحصائيات التي أُجريت على لوائح المغتربين - التي جرى تعميمها أخيراً- حجم المسجّلين على لوائح «دائرة الشمال الثالثة» مثلاً، وهي الدائرة التي يخوض فيها رئيس التيار انتخاباته النيابية رقماً محترماً يقترب من توفير 3000 صوت تعزّز الحاصل الإنتخابي للائحته وما يقارب 800 صوت تفضيلي له في البترون وحدها.

أمام كل هذه المعلومات الدقيقة والحقائق التي توفّرت لبعض الماكينات الانتخابية الكبرى قبل فترة قادت الى سلسلة زيارات قام بها وزراء ونواب ومرشّحون الى أكثر من دولة وعاصمة سعياً وراء جمع أنصارهم وأقاربهم المسجّلين على لوائح المغتربين وغيرهم لتوفير مشاركتهم في الانتخابات المقبلة.

ففي بعض المدن والدول لم تسمح المهلة التي حُدِّدت لتسجيل أسمائهم على لوائح الناخبين في الخارج إما لعدم معرفتهم بالخطوة او لجهة تجاهلهم لمعرفة المسؤولين بانتماءاتم وتوجّهاتهم السياسية والحزبية مسبقاً.

ثمّة مَن يعترف أنّ تحرّكَ بعض الأحزاب في الولايات المتحدة الأميركية واوروبا والخليج العربي واوستراليا قد أدّى الى تقليص الأحلام بتجيير الاغتراب لهذا التيار أو الحزب أو ذاك.

عدا عن نجاح البعض بإقناع العديد من اللبنانيين العاملين في الخارج الذين لم يسجَّلوا على لوائح المغتربين لزيارة لبنان قبيل الإنتخابات للمشارَكة فيها وهو أمر قد يؤدّي الى إعلاء شأن ودور وحجم صوت المنتشرين والمغتربين في بعض الدوائر الانتخابية وهو أمر ستظهر مفاعيله قريباً من خلال قوافل القادمين بهدف المشاركة في الانتخابات وفي 7 أيار عندما ستُفتح صناديق أصوات المغتربين في بيروت.