ان بعض الأحزاب تلتحق برجال الأعمال في مناطقهم لتمويل لوائحهم، من أجل كسب أصوات كتلهم الناخبة المكونة عبر تاريخ طويل من الخدمات التي يقدمها رجال الأعمال للناخبين المحتملين في مناطقهم
 

يلاحظ المراقبون حيوية الحملة الإنتخابية التي يعيشها لبنان هذه الأيام قبل ثلاثة أسابيع من موعد الإقتراع المقرر إجراؤه في 6 آيار المقبل، ورغم حالة انعدام الثقة في ما بين اللبنانيين والطبقة السياسية، إلا أن موسم الإنتخابات كان لافتًا لجهة العدد اللافت للمرشحين الذي بلغ 976 مرشحًا من بينهم 111 سيدة، ناهيك عن تراكم اللوائح المتنافسة داخل الدائرة الإنتخابية الواحدة. وفيما اعتبرت الحكومة اللبنانية أنها حققت إنجازًا كبيرًا من خلال النجاح الذي حققه مؤتمر سيدر لدعم لبنان في باريس في 6 نيسان الجاري بحيث وصلت وعود المنح والمساعدات والاستثمارات إلى حوالي 11.8 مليار دولار، تكشف الحملات الإنتخابية بنوعياتها وكمياتها عن حجم الأموال التي تصرف للدفاع عن اللوائح وتسويق المرشحين بما قد لا يتسق مع صورة لبنان الذي يعاني اقتصاده من ضغوط كبيرة جراء الظروف التي يعانيها في الداخل وجراء الشلل السياسي الذي مرّ على مؤسساته وجراء حجم اللاجئين السوريين الذي يقدر بحوالي 1.5 مليون شخص يشاركون لبنان واللبنانيين موارده وبناه التحتية. في هذا السياق، يؤكد خبراء الإقتصاد نقلًا عن صحيفة "العرب اللندنية" بالأرقام الوهن الذي يعاني منه الإقتصاد اللبناني الذي تؤكده التقارير الرسمية الصادرة عن مؤسسات محلية كما المؤسسات المالية الدولية، ومع ذلك فإن الشركات المتخصصة في شؤون العملية الإنتخابية تتحدث عن العشرات من ملايين الدولارات ضخت داخل البلد منذ الأشهر السابقة استعدادًا لموعد إجراء الإنتخابات التي ستعيد خارطة مجلس النواب اللبناني المشكل من 128 نائبًا موزعين لتمثيل كافة الطوائف والمذاهب اللبنانية.

وعن المال السياسي نقلت الصحيفة أن اللافت في مسألة التمويلات التي تظهر جليًا في مستوى الحملات الإنتخابية الراهنة أن النسبة الأساسية من تمويلاتها ليست مالًا سياسيًا مستوردًا مصدره عواصم ودول أخرى، ويؤكد الخبراء أن بعض المؤشرات تفصح عن مال سياسي له هوية خارجية يأتي لرفد التيارات والأحزاب القريبة منها، ورغم صعوبة تأكيد ذلك وصعوبة اقتفاء أثر مصادر هذه الأموال بالأدوات القانونية، إلا أن منطق الأمور الذي اعتاد عليه البلد في العقود الأخيرة يؤشر إلى هذه آلية، لا سيما في إطار المواجهة الإيرانية السعودية غير المباشرة من خلال الطبقة السياسية اللبنانية. ومع ذلك تلفت بعض المصادر المالية نقلًا عن "العرب" أن الحجم الأساسي من السيولة النقدية المتدفقة داخل أوردة الحملات الإنتخابية مصدرها ثروات يمتلكها رجال أعمال لبنانيون يدفعون بالأموال دفاعًا عن وجوه وتيارات سياسية بعينها أو دفاعًا عن ترشحها داخل اللوائح التي تدفع بها هذه الأحزاب، وتضيف هذه المصادر أنه على أي مراقب أن يتأمّل العدد اللافت لرجال الأعمال اللبنانيين الذين يخوضون السباق الإنتخابي والذين يشاركون بشكل يكاد حصريًا في تمويل حملات هذه الأحزاب وتلك التيارات في البلد من جهتها، ترى مصادر سياسية متابعة أن رجال الأعمال باتوا من أركان النظام السياسي اللبناني وأن كثيرا من الوجوه التي تنتمي إلى قطاع الأعمال في لبنان احتلت مقاعد وزارية أساسية داخل الحكومات المتعاقبة في السنوات الأخيرة، على نحو أشاع نوعًا من التقليد داخل التمثيل السياسي للأحزاب في لبنان. وفيما يسود انطباع بأن ثروات رجال الأعمال فرضت أصحابها على زعماء لبنان وفتحت أمامهم مناصب الحكومة والبرلمان، يسود تململ لدى الحزبيين مردّه ظاهرة لجوء الأحزاب إلى تمثيل رجال أعمال من خارج المشهد الحزبي لإحتلال المناصب الكبرى على حساب المنتسبين إلى تلك الأحزاب وخزانها الحقيقي والذين ينتمون تاريخيًا إلى مؤسساتها الداخلية.

واللافت أيضًا أن بعض الأحزاب تلتحق برجال الأعمال في مناطقهم لتمويل لوائحهم، من أجل كسب أصوات كتلهم الناخبة المكونة عبر تاريخ طويل من الخدمات التي يقدمها رجال الأعمال للناخبين المحتملين في مناطقهم. من ناحية أخرى، يرصد المراقبون العشرات من الجمعيات الخيرية والمدارس والجامعات وغير ذلك من المؤسسات التي يمتلكها رجال أعمال يقدمون خدمات مجانية أو منحًا دراسية تصب في إطار هدف سياسي ينتظر تحقيقه خلال المواسم الإنتخابية. وفيما يخوض بعض رجال الأعمال مثل سركيس سركيس وفؤاد المخزومي وآخرين الإنتخابات مباشرة، يذهب آخرون إلى المساهمة بمال سياسي مباشر لهذه الجهة أو تلك لدعم خيارات سياسية من جهة والاستفادة من مصالح لاحقة قد تؤمنها هذه الخيارات داخل التشكيل القادم للسلطة بشقيها التشريعي والتنفيذي. من جهة أخرى، وعن ضعف الأحزاب نقلت "العرب" أن محمد الصفدي يمثل مثالًا لرجل الأعمال الذي مارس السياسة نائبًا ووزيرًا وقرر هذه المرة عدم الترشح للإنتخابات وتقديم دعمه الكامل وتشغيل ماكينته الانتخابية لصالح تيار المستقبل. بدورها، ترى بعض الأوساط أن بعض الأحزاب، ومنها تيار المستقبل بزعامة رئيس الحكومة سعد الحريري، قد اعتمدت الفصل بين النيابة والوزارة بما يعني أن بعض الشخصيات التي لم يرشحها التيار قد تكون لها حظوظ التواجد في الحكومة المقبلة، وهو ما قد يوفر لرجال الأعمال حضورًا داخل التشكيلة الحكومية بعد الانتخابات، وأن هذا النهج معتمد أيضًا من قبل أحزاب أخرى، لا سيما التيار الوطني الحر، حزب الرئيس ميشال عون، الذي يتولى قيادته حاليًا وزير الخارجية جبران باسيل. من ناحيتها، تكشف أوساط قريبة من تيار المستقبل أن ضعف اعتماد التيار على الدعم المالي السياسي السعودي والذي تفاقم مع ظهور الأزمة المالية التي تعاني منها الشركات التي يرأسها الحريري، خصوصًا شركة سعودي أوجيه الشهيرة، دفعت التيار إلى اعتماد براغماتية أخرى للحصول على تمويلات جديدة، خصوصًا لتغطية مصاريف الحملة الإنتخابية الراهنة، وتضيف هذه المصادر أن تيار المستقبل قد دُفع نحو خيارات جديدة في ما يخص أسماء المرشحين الذين ليسوا بالضرورة جزءا من تاريخ التيار وثقافته بناء على حسابات انتخابية بحتة ترتبط إما بالقوة المالية للمرشح وإما بقوته المحلية الناخبة. في هذا السياق، يقول خبراء القانون الدستوري إن الترسانة القانونية اللبنانية ما زالت ضعيفة في مجال وضع آليات ومعايير تنظم تمويل الأحزاب كما تمويل الحملات الانتخابية، وإن الأحزاب اللبنانية مضطرة لإيجاد مصادر تمويل خلاقة تغطي حراكها السياسي الداخلي، ويضيف هؤلاء أن لبنان الذي يعاني من تعارض ما بين مفهوم الدولة والمؤسسات ومفهوم الدويلة والميليشيات ليس قادرًا في الوقت الحالي على السيطرة على مسائل التمويل الحزبي، لا سيما أن (حزب الله) يتصرف في تمويلاته وفق خصوصية غامضة سواء في علاقاته مع إيران أو شبكات التمويل الدولية والمحلية الأخرى التي باتت تخضع لمراقبة الأجهزة الدولية وتواجهها العقوبات الأميركية.