لأهالي بيروت أن يقترعوا كما يريدون، فهم ضيقوا المعركة وجعلوها باسم بيروت ولأجل بيروت وأهل بيروت. وكأنها جزيرة معزولة قائمة بذاتها. وبحسب اللوائح الفائضة وعدم قدرة مرشحي ما يسمى "مجتمع مدني" على التوافق أو التحالف في لائحة وازنة، لا نملك سوى أن ندعو لهم بالتوفيق. 

وهذه ليست حال بيروت وحدها، فبفضل قانون الانتخاب ضرب بعرض الحائط الدستور الذي يجعل من النائب ممثلاً "للأمة جمعاء". فنجد أن الترشح والدعاية الانتخابية هما من أجل "المنطقة" والمذهب والملة التي ينتمي اليها المعنيون.

فنسمع عن معركة أهل كسروان وأهل جبيل أو طرابلس أو الشوف...كما الشيعة والسنة والموارنة وسائر المكونات، مع أن هناك عدداً من المرشحين يعملون من أجل سيادة واستقلال لبنان. لكن طبيعة التحالفات واختلاط الأوراق لن يأتيا، على الأرجح، لصالح هؤلاء؛ الأرجح أن النتائج ستكون لصالح القطار الذي يجر العربة اللبنانية إلى حيث يريد.

تبقى معركة البقاع وبعلبك خصوصاً؛ فصحيح أن المعركة هناك تحصل باسم البقاعيين الذين ثاروا على أوضاعهم المتردية والتي جعلت منها منطقة فقيرة تسابق عكار في الإهمال والتردي على جميع المستويات، لكنها في الحقيقة معركة كل لبنان تلك التي تخاض هناك. شاء البقاعيون أو وعوا ذلك أم لا.

ومن هنا تركيز اهتمام "حزب الله" وأمينه العام على تلك المعركة. فالتحدي أن هناك من يقول لا لـ"حزب الله"، من بيئته الحاضنة نفسها، على غرار ما حصل في الانتفاضة الايرانية الأخيرة والتي تم إخمادها آنياً.

وصحيح أن نجاحهم سيجعل السلطة تعتبر أن هذه الانتخابات "ديموقراطية وممثلة" للرأي العام، مع ذلك تظل أنها المرة الأولى التي يتجرأ فيها من اعتبرهم الحزب "محازبين وتابعين" ويقولون له "لا" بالفم الملآن.

أهمية الرفض في كلتا الحالتين هو في أنه يعلن بداية خلخلة نفوذ وسيطرة الحزب على جماعته التي شكلت له التغطية والسند في معاركه سواء الخارجية أو الداخلية، المحقة أو الظالمة. ناقوس الخطر يدق والسيد نصرالله مستعد للمغامرة بحياته من اجل إبقاء القبضة الحديدية وإنقاذ المشروع الامبراطوري من أي زعزعة.

من هنا إذا كان لهذه الانتخابات من معنى، بعد أن خذل الجنوب متوقعي التغيير، فسيكون هناك في أرض معبد الشمس: في البقاع.

فلسان الأهالي يقول لا للإهمال ولا للاستتباع. لقد اغرقتمونا بالفساد وأفقرتمونا وأعدتم أولادنا في النعوش. الفقر والبطالة والخروج عن العدالة هي نصيب البقاع؛ فيما الإعمار من نصيب الجنوب المسترخي والمستفيد من هجرة ابنائه ومن مساعدات الدول العربية لمجلس الجنوب في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. ولم يتمكن بعد من معارضة وهيمنة "الثنائية الجنوبية" بحسب التسمية البقاعية. ففشل في تقديم لوائح معارضة تستطيع مواجهة الهيمنة. ليس السبب غياب السياديين أو الاستقلاليين أو الشجعان، لكن لعجزهم عن ادارة المعركة وإيجاد العناوين الجاذبة ولطبيعة المعركة والقوى الموجودة وتبعيتها لقوى الأمر الواقع التي نجحت في تفخيخها.

وأيضاً وبشكل أساسي لعدم قدرة المعارضين على التنسيق وعلى التوافق على عناوين المواجهة المناسبة، أو بسبب الأنانيات وعدم تقديم التنازلات اللازمة في ظل قانون لقيط. دون أن ننسى تفخيخ ما يسمى يسار وانتهازية ما تبقى من الحزب الشيوعي واستلحاقه بالثنائية.

البقاعيون يرفضون الاستتباع لما يسمونه "الثنائية الجنوبية"، في كسر واضح لادعائهم حصرية التمثيل الشيعي. واذا ما حصلت الانتخابات بالرغم مما يجري في الإقليم، ولم ينجح "حزب الله" في تعطيلها عبر تزويرها وجعل الأموات يقترعون أو افتعال انفجار امني يخيف الناخبين ويمنعهم من المشاركة؛ قد ينجح بعض المعارضين، ما يعطي لنتائج الانتخابات وللقانون الهجين شرعية يفتقدها لأنه فصّل على قياس من في السلطة.

لكن المحاولة في البقاع تستحق التشجيع، لأنها معركة لبنان الرمزية ضد الاحتكار والاستبداد "الأخوي".

وعسى أن تكون بداية زعزعة لمصادرة الإرادات وللتعصب المذهبي المتفاقم.