معلوم أنّ الانقسام السياسي في لبنان منذ العام 2005 إلى اليوم ما زال بشكل أو بآخر بين 8 و 14 آذار، ولم تنجح محاولات تحويله بين سلطة ومعارضة أو إطلاق أيّ تسمية على الفرز الجديد، إلى أن برزت تحالفات الوزير جبران باسيل الانتخابية التي استدعت التساؤل الآتي: هل تحالفات باسيل الانتخابية آنيّة أم ترتكز على رؤية سياسية؟
 

شكلت تحالفات باسيل الانتخابية العلامة الفارقة لاستحقاق ٦ أيار ٢٠١٨ والتي أطلق عليها البعض تحالفات «من كل واد عصا»، فيما اعتبرها البعض الآخر نقطة قوة لباسيل القادر على التحالف مع «حزب الله» وأخصامه، و«المستقبل» وأخصامه، ولكن ما الرسالة الأساسية من وراء كل تلك التحالفات غير المفهومة والتي يمكن وضعُها ضمن ثلاثة احتمالات؟

الاحتمال الأول من أجل الوصول إلى أكبر تكتل نيابي ممكن على قاعدة أنّ الأساس هو الهدف لا الوسيلة، وبالتالي اختلاف التحالفات من دائرة إلى أخرى مجرد تفصيل أمام الهدف الأساس وهو الوصول إلى أكبر عدد من النواب.

الاحتمال الثاني من أجل توجيه رسالة إلى كل مَن يهمّه الأمر في الداخل والخارج تحديداً بأّن الوزير باسيل غير مقيّد بتحالف من هنا أو من هناك، وأنه قادر على التنقّل بين أقصى اليسار وأقصى اليمين في إشارة واضحة مفادُها أنه براغماتي وأنّ تحالفه مع «حزب الله» قابل لإعادة النظر ولا يختلف عن تحالفه مع المستقبل والجماعة الإسلامية والأحباش والحزب السوري القومي الاجتماعي...

الاحتمال الثالث من أجل التأسيس لكتلة العهد العابرة لكل الاصطفافات والأحزاب والطوائف والتأسيس لاصطفاف جديد على قاعدة مَن مع العهد ومَن ضده.
ولا شك أنّ الاحتمال الأخير كان يُفترض أن يشكّل الأولوية للعهد العوني، ولكن تمّ إجهاضُه عن طريق زعزعة التفاهمات التي أوصلت العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية ومحاولة التأسيس بالمقابل لحالة سياسية لا ترتكز على رؤية سياسية واضحة المعالم والتي من دونها لا يمكن الكلام عن اصطفاف ولا عن خطٍّ سياسي، حيث إنّ «التيار الوطني الحر» تقلّب منذ انطلاقته في دورَين أساسيَّين شكّل إبّانهما دور رأس الحربة من رفع عنوان مواجهة الاحتلال السوري في لبنان، إلى عنوان التحالف مع «حزب الله».

وبمعزل عن تقييم هذا الدور أو ذاك، وبمعزل أيضاً عن الموقف المؤيّد لهذا الدور أو المعترض على ذاك، إنما الثابت أنّ «التيار» الذي كان في تموضعات وطنية واضحة المعالم أصبح اليوم بعيداً منها كل البعد. وإذا كان موقعه في الرئاسة يختلف عن موقعه في المعارضة، وهذا مفهوم تماماً، إنما ما هو غير مفهوم ألّا يكون لـ«التيار» دور رأس الحربة من موقعه الجديد، الأمر الذي لم يظهر بالممارسة ولم يلمس الناس أيّ تغيير جذري على مستوى الحكم والإدارة والمؤسسات بين ما قبل انتخاب عون وما بعده، باستثناء أنّ في موقع الرئاسة الأولى حيثية مسيحية لم تكن موجودة منذ العام ١٩٩٠ إلى اليوم، فيما بإمكانه أن يؤسّس لحالة مرجعية للناس تعيد إحياء العهد الشهابي بحلّة عونية جديدة، ولم يفت الأوان بعد، حيث إنّ الانتخابات تشكّل فرصة من هذا النوع في حال وضع خريطة طريق قوامها مبدئياً ومثلاً خمسة مرتكزات أساسية:

المرتكز الأول، رفع الشعار الذي يريد تحقيقه في ولايته وتحديداً اعتباراً من مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية، فالدكتور سمير جعجع مثلاً رفع شعار «الجمهورية القوية» لدى ترشحه لرئاسة الجمهورية، وبالتالي لا يجوز أن تمضي الأيام من دون شعار مركزي يعمل على تحقيقه، ومعلوم أنّ استعادة السيادة المنتهكة بفعل سلاح «حزب الله» مسألة متعذّرة راهناً، ولذلك الحلّ الوحيد المتاح حالياً هو حلّ مزدوج: أن يحدّ، من خلال علاقته مع «حزب الله»، من تأثير السلاح على الاستقرار والحياة السياسية بانتظار أن تنجلي الصورة الإقليمية الكفيلة بحلّ معضلة السلاح، وأن يستفيد من رفع كل القوى السياسية لشعار مكافحة الفساد من أجل ترجمته على أرض الواقع، والمصارحة تقتضي القول إنّ الرأي العام لم يلمس أيّ توجّه إصلاحي وتغييري على هذا المستوى.

المرتكز الثاني، ينطلق «التيار الوطني الحر» من حيثية مسيحية وازنة، وتعزيز هذه الحيثية التي انوجدت بفعل الدور المعارض تاريخياً للتيار لا الموالي، تكون من خلال التقيُّد بالشعارات التي رفعها ويرفعها وتقديم للناس ما لم يتمكّن غيرُه من تقديمه، وبالتالي تعزيز الحيثية يكون عن طريق الفعل والمبادرة والترجمة لا عن طريق محاصرة هذا الفريق أو إلغاء ذاك.

المرتكز الثالث، من ضمن عوامل نجاح الرئيس فؤاد شهاب ارتكازه على القوى السياسية الموجودة من أجل تنفيذ برنامجه، فيما يخطئ «التيار الحر» إذا اعتقد أنّ بإمكانه تطبيق أيّ برنامج، غير موجود بعد، بالارتكاز على نفسه، فيما قوته مزدوجة: الارتكاز على القوى المتحالفة والمختلفة التي أوصلته وتوسيع باب استيعاب القوى الأخرى تحت مشروع سياسي وطني جامع، والارتكاز على حيثيّته الشعبية وتكتّله النيابي كقوة دفع وضغط وحثّ وتحصين.

المرتكز الرابع، لا نقاش بأنّ الوزير جبران باسيل يتمتع بدينامية استثنائية وطاقة فريدة من نوعها، ولكن لا نقاش ايضاً بأنّ الوزير باسيل أساء إلى العهد في علاقته مع معظم القوى السياسية بدءاً من «القوات اللبنانية» وصولاً إلى «حزب الله»، (حتى لو لم يعترف بذلك علناً، إنما العلاقة مأزومة ضمنيّاً بينهما ولم تعد كما كانت عليه سابقاً)، و«أمل» و«المردة» وما بينهما القوى التي كان يمكن احتضانها واستيعابها، ولكن إذا كانت العلاقة مع القوى الشريكة في التسوية متعذّرة، فمن البديهي أن لا تكون سالكة مع القوى الأخرى، فيما العلاقة الوحيدة الثابتة والمستقرّة هي علاقة باسيل مع الرئيس سعد الحريري، وبالتالي من مصلحة العهد أن يضبط حركة باسيل السياسية.

المرتكز الخامس، لا يوجد أيُّ فريق سياسي بوارد القطيعة مع العهد، ولا العهد أساساً في هذا الوارد، والمصالحة بين «القوات» و»التيار» أصبحت من ثوابت المشهد الوطني، إنما الأساس يكمن في تثمير الجسور المفتوحة بالاتّجاهين، أي بين العهد والقوى السياسية، من أجل التأسيس للحظة وطنية جديدة.

ويبقى أنّ هناك فرصة سياسية ليس للعهد فقط، إنما للبلد تأسيساً على الدينامية الانتخابية وتقاطع معظم القوى السياسية على العناوين الإصلاحية من أجل أن تشكّل الحكومة الأولى بعد الانتخابات الفرصة المنتظرة من قبل للناس.