السؤال حول التزامات لبنان ينطلق من تفكيك الشيفرة السياسية حول هيمنة «حزب الله» واستراتيجية الاحتواء الفرنسية
 

يحمل انعقاد مؤتمر «سيدر» أو «باريس4»، في ثناياه،  جرعة أمل على مستوى إعادة تحريك عجلة الاقتصاد اللبناني. يُراد للمناخات الإيجابية أن تغلب على أجواء التشكيك بنتائج المؤتمر وانعكاساته على لبنان التي تتسرّب من باب المخاوف من ارتفاع فاتورة المديونية العامة، غير أن المشككين أنفسهم يدركون أن لا «سيناريوهات» أخرى متوافرة لإنقاذ البلاد من الركود ومن الانهيار غير مؤتمرات الدعم التي تتجسّد على شكل هبات وقروض. واقع حال الدول المشاركة، الغربية والعربية وأولوياتها وأعبائها، يشي بأن الاتجاه يميل إلى قروض متوسطة وطويلة الأجل مشروطة برزمة من الإصلاحات في الإدارة العامة، ومقدار عال من الشفافية واتخاذ خطوات فعلية على طريق مكافحة الفساد. غير أن الالتزامات المطلوبة من لبنان، سواء في مؤتمر «سيدر»  المنعقد حالياً، أو في مؤتمر «روما2» الذي عُقد منتصف الشهر الماضي، أو في المؤتمر المنتظر انعقاده في بروكسل، تستند إلى سقف سياسي أعلى سبق التعبير عنه بوضوح ويتمثل بالتزام لبنان بسياسة النأي بالنفس وبالقرارين الدوليين 1559 و1701 وباستراتيجية دفاعية تسهم في بسط قوى الشرعية سلطتها على مختلف الأراضي اللبنانية. لا يحتاج المراقبون إلى تفكيك «الشيفرة السياسية»، فالمشكلة تنطلق من هيمنة «حزب الله»، عبر تغلغله في مفاصل الدولة اللبنانية وعبر سلاحه الذي يرخي بثقله على الساحة الداخلية، كما على الساحات المجاورة التي يتدخل فيها بوصفه ذراعاً عسكرياً لإيران، وامتداداً لنفوذها السياسي، وبالتالي فإن الحل لا بد من أن يطرق هذا الباب، ما يطرح السؤال: هل هذا ما هو حاصل فعلياً؟ الراصدون لمسار الأمور يقرأون ما يجري من زاوية زخم التحرّك الفرنسي الذي يتولاه الرئيس إيمانويل ماكرون تجاه لبنان. ويعتقدون أن النظرية الفرنسية حيال لبنان تقدّمت على ما عداها من نظريات، سواء أكانت عربية خليجية أم أميركية. ماكرون الذي لعب دوراً رئيسياً في مساندة رئيس الحكومة سعد الحريري في أزمته مع الرياض الغاضبة من مساره التنازلي، وفي تقديم كل الدعم له وإعادة الاعتبار إلى موقعه، لديه اقتناع بأن سياسة الانسحاب من لبنان ومحاصرته ومعاقبته وتضييق الخناق عليه اقتصادياً لا تؤول إلى ليّ ذراع «حزب الله» ومن ورائه إيران، بل ستجعله لقمة سائغة لـ«الحزب»، بشكل يجعله متحكماً أكثر بمفاصل البلد.  وفي مقابل النظرية الفرنسية، كان هناك توجّه آخر، ولا سيما من قبل المملكة العربية السعودية، بالتعامل مع لبنان انطلاقاً من التسليم بأنه أصبح جزءاً من المنظومة الإيرانية تحت حكم «حزب الله» وأن دعمه بات غير مجدٍ، لجهة الحفاظ على موقعه وبُعدِه في محيطه العربي وقدرة مؤسساته على ممارسة سلطتها الطبيعية، ولا سيما في ظل ما اعتبرته ضعف الحلفاء وتراخيهم، فكان أن تُرجم ذلك انسحاباً استثمارياً وسياحياً واقتصادياً، وازدادت وتيرته بما يشبه الحصار غير المُعلَن، ولا سيما مع محاولات «حزب الله» اختراق دول الخليج استخباراتياً وأمنياً، وانخراطه عسكرياً في المشهد اليمني لاحقاً. هذا فيما بدأت المقاربة الأميركية مع مجيء  الرئيس دونالد ترامب تنحو نحو تضييق الخناق على الحزب مالياً من خلال تشديد العقوبات عليه وعلى كل مَن يتعاون معه، كأحد وسائل الضغط الناجعة، لكنها تحتاج إلى صبرٍ وإلى نَفَسٍ طويل لتحقيق الأهداف المرجوة. والمعلومات المتوافرة تنمّ عن أن باريس، وفي التقييمات الأولية، نجحت في إقناع الحلفاء من العرب، مبدئياً، بنظرية الاحتواء بدل الانسحاب وتضييق الخناق. وستنعكس نسبة نجاح المؤتمر من خلال حجم التمويل للمشاريع التي تحملها حكومة الرئيس الحريري، الذي يُشكّل وجوده في موقع الرئاسة الثالثة عامل دفع للدول المانحة، إلا أن هذا النجاح لا يعني مطلقاً توقع أي تغيّر في الموقف الأميركي حيال ضرورة تشديد الضغوطات المالية على «حزب الله»، لكن واشنطن، في المقابل، كانت ولا تزال داعمة للجيش اللبناني الذي تراه يدور في فلك مدرستها العسكرية، ويُعتبر الضمانة الأساسية للبنان.  مؤتمر «سيدر» الذي يُراهن ماكرون، كما الحريري، على التزام سعودي وخليجي سخيّ به، تعززه زيارة ولي العهد محمد بن سلمان لباريس في قابل الأيام، والمشهدية المهيبة التي تجسّدت باحتضان بيروت لحفل تدشين جادة الملك سلمان بن عبد العزيز عند الواجهة البحرية «الزيتونة باي» في منطقة ميناء الحصن. تلك المشهدية ولّدت تساؤلات عدّة عما إذا كانت إيذاناً بعودة الانخراط السعودي في لبنان ووفق أي قواعد ومسلمات، لا سيما وأنها جمعت، على هامشها، لقاءً بين رموز «14 آذار» الذين شهدت علاقاتهم البينيّة بعض الاهتزازات؟ تذهب قراءات «مشهدية بيروت» إلى تأكيد قرار المملكة بعودة رعايتها للبنان، وطيّ كل ما شاب ملابسات العلاقة مع الحريري سابقاً، وانخراطها في تأمين عوامل استقراره، بما يُمكّنه من ترسيخ التمسّك بالأسس التي التزم بها بضمانة دولية، من دون أوهام كبيرة بقدرة لبنان راهناً، على أن هذا الانخراط يُمكن وصفه بـ«الانخراط الإيجابي» الذي يُشكّل جزءاً من سياسة الرياض ضمن استراتيجية أوسع تنطلق من تأمين الدور العربي في مساعي إيجاد الحلول للساحات المشتعلة والمضطربة في المنطقة، سواء في لبنان أو سوريا أو العراق. دور المملكة بات حاجة إقليمية ودولية نظراً إلى تَشتّت المنظومة العربية وتراجع تأثيرها خلال السنوات الماضية على تلك الساحات في الإقليم، كما ترك الغياب العربي والانشغال بالتمدّد الإيراني تأثيراته السلبية على القضية الفلسطينية، بحيث أدى إلى الاستفراد الفعلي بالفلسطينيين الذين باتوا يصارعون  بقوة لضمان حل الدولتين، على أساس حدود الرابع من حزيران للدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، الأمر الذي يُفاقم من التحدّيات السعودية بعد إعلان ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، وإدراك المملكة أهمية تحالفاتها الأميركية في مواجهة الخطر الإيراني، وفي معركتها المفتوحة ضد الحوثيين، واجهة إيران في اليمن، حيث تهدّد من خلالهم استقرار الحدود والمدن السعودية والعاصمة الرياض. ما يدور في الكواليس أن المرحلة المقبلة ستشهد مساعي سعودية متقدمة في سياسة «تبريد الجبهات»، كمقدمة لدورها «الراعي» ومَن معها من الحلفاء العرب، وهو دور سنشهد تصاعده حين تحين ساعة وقف العمليات العسكرية في سوريا وتثبيت وقف إطلاق النار ورعاية العملية السياسية وبدء مسار إعادة الإعمار، لكنه سيكون متكئاً على المظلة الأميركية، لا بل الدولية.  لكن «تبريد الجبهات» لا يشمل اليمن راهناً، حيث تقول المعلومات أن ولي العهد السعودي وزير الدفاع، كان حاسماً في محادثاته خلال جولته الخارجية، أن اليمن مسألة تخص بشكل أساسي الأمن القومي السعودي والخليجي، ولا يمكن تالياً التهاون بها أو السماح لأي مساومات بشأنها أو الاعتراف بتقاسم «نفوذ ما»، ولا سيما مع طهران، الأمر الذي يحمل معه أسئلة مشروعة عما إذا كان التحالف العربي قد أُعطي الضوء الأخضر لحسم المعركة عسكرياً تمهيداً لبدء المسار السياسي في اليمن؟ وعما إذا كان هو السبب الكامن وراء التصعيد الحوثي - الإيراني الأخير؟! ربما هي مرحلة «المخاض الأخير» على مختلف الصعد: من لبنان المنغمس في الانتخابات التشريعية لتكوين سلطة جديدة والمعوّل على المؤتمرات الدولية لضبط المسار العام للسياسة اللبنانية، مروراً بالقوى الإقليمية المنشغلة بتحسين مواقع نفوذها على طريق انتزاع اعتراف بها، وصولاً إلى القوى الدولية التي باتت أزمات المنطقة تؤرقها، وباتت تسعى جاهدة إلى تجنب العودة مجدداً إلى الحرب الباردة. مرحلة المخاض الأخير التي لا يمكن التنبؤ بما سينتج عنها، وما إذا كانت الرهانات عليها ستصيب أم لا!.