بغض النظر عمّا يقال عن تيلرسون داخل الولايات المتّحدة الأمريكية، إلا أن نظرة المسؤولين الأتراك عنه كانت إيجابية إلى حد بعيد مقارنة بنظرتهم إلى غيره من مسؤولي الإدارة الأمريكية، أو حتى مقارنة بوزير الخارجية السابق جون كيري.
 

يعود ذلك في حقيقة الأمر إلى عاملين على وجه التحديد، الأوّل شفافية الرجل وحديثه المباشر، وهو ما خلق حالة من الثقة بينه وبينه المسؤولين الاتراك لم تتوافر في غير من الشخصيات رفيعة المستوى في الإدارة الأمريكية. 

أما العامل الثاني، فهو الدور الإيجابي الذي قام به -ضمن حدود صلاحياته في الإدارة الأمريكية-  في أوج تدهور العلاقات الأمريكية- التركية، بالإضافة إلى دوره البنّاء كذلك في الملفات الإقليمية لاسيما في الأزمة الخليجيّة. 

حاول تيلرسون جاهدا جسر الهوّة في العلاقة بين الطرفين، كما أنه لعب دورا أساسيا في اجتماع الجبر والكسر الشهير الذي عُقِدَ الشهر الماضي مع رئيس الجمهورية التركية ووزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو الذي تمخّض عنه آلية مشتركة لحل الخلافات وثلاث مجموعات عمل، واحدة منها للتعامل مع الخلافات المتعلقة بالأزمة السورية.

بهذا المعنى، فإن رحيل تيرسلون يعني أن الجانب التركي قد خسر شخصية مهمة في الإدارة الامريكية. 

قد يجادل البعض بأنّه وبالرغم من كل ما ذكرناه، فإن العلاقات الأمريكية- التركية لم تكن جيدة في عهد تيلرسون بأي حال من الأحوال. 

صحيح أنّ العلاقات الأمريكية- التركية لم تتحسن مع وجود تيلرسون في وزارة الخارجية، لكنّ المشكلة لا ترتبط بشخص الرجل بقدر ما تتعلق بالرئيس الأمريكي والبنتاغون. 

على كل حال، الاستنتاج الذي من الممكن أن نخرج به من هذه المعادلة، أن المشكلة ستسمر بدرجات مختلفة، وأنّ تغيير تيلرسون سيترك أثره دون شك، لكن السؤال هو حول مدى حجم هذا التأثير، وفي أي اتجاه، وكيف سينعكس على الملفات المشتركة بين الطرفين؟   أولى ضحايا طرد تيلرسون من وزارة الخارجية واختيار مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية مايك بومبيو بديلا عنه، تأجيل الاجتماع الذي كان مقررا بين وزيري خارجية البلدين في 19 الشهر الجاري. 

وهو الاجتماع الذي كان من المفترض أن يؤكد بشكل نهائي الاتفاق المبدئي الذي تم التوصل إليه في مجموعات العمل المشتركة. 

وبالرغم من المعلومات التي أشارت إلى أن اجتماع اللجان قد تأجل كذلك إلى 21 الشهر الجاري، إلا أن ذلك لم يطمئن الجانب التركي إلى مصير التفاهمات التي تمت مع تيلرسون.

هذا ما يفسر ربما تأكيد المسؤولين الأتراك على أن تفاهما بشأن مدينة منبج في شمال سوريا قد تم مع واشنطن، وأنّ الجانب التركي سيمضي قدما في تنفيذ الاتفاق، وهو الموضوع نفسه الذي علّقت عليه الخارجية الأمريكية نافية التوصل إلى أي اتفاق نهائي بعد. 

الشد والجذب في هذا الموضوع يعني العودة إلى المربع رقم واحد من جديد في أزمة العلاقات التركية- الأمريكية.  

الجانب التركي قلق من دون شك من التوجهات المحتملة لوزير الخارجية الجديد الذي سيستلم منصبه في غضون شهر من الآن، ولهذا القلق ما يبرره بالتأكيد.

التوجهات السياسية لبومبيو مثيرة للجدل، فهو يميني معروف بتطرّفه، وبكراهيته الشديدة للإسلام. 

أضف إلى ذلك أن نظرته إلى تركية سيئة، وكان قد عبر عنها بوقاحة منقطعة النظير في تغريدة سابقة له بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة. 

وبالرغم من أن بومبيو كان قد خص تركيا بأول زيارة خارجية له بعد تعيينه مديرا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، إلا أن ذلك ليس كافيا لطمأنة الجانب التركي الذي بات يعرف نواياه جيدا.

من الناحية التقنية، سيؤدي التغيير في الخارجية الأمريكية إلى إبطاء قسري في مفاوضات مجموعات العمل واللجان المشتركة، كما أنه قد يدفع الجانب التركي إلى انتظار استلام موبيو منصبه الجديد حتى يستطيع قراءة التوجهات الجديدة والبناء عليها. 

لكن في المقابل، قد يعمد الجانب التركي إلى استغلال المرحلة الانتقالية هذه من أجل الدفع باتجاه إنفاذ أجندته، لاسيما فيما يتعلق بمنبج. 

وهناك بعض المؤشرات التي توحي بأن مثل هذا السيناريو ممكن. 

الرئيس التركي علق يوم أمس على ملف منبج الشائك، مشيرا إلى أنه سيكون من الأسهل فيما لو رحلت الولايات المتّحدة ومليشيات (YPG) من منبج سويا.

عمليا، مثل هذا الخيار، سيضع تركيا في مواجهة البنتاغون بصفته المسؤول الحقيقي عن السياسية الأمريكية في سوريا. 

وإذا ما حصل ذلك بالفعل، فهذا يعني أننا سنشهد عودة الأزمة في العلاقات بين البلدين بشكل أكبر. 

على كل حال، سيكون علينا أن ننتظر لنرى إذا ما كان بومبيو سيغير من منصب وزير الخارجية أم أن المنصب سيغير من بومبيو، ويدفعه ليكون أكثر دبلوماسية مع الجانب التركي، وبشكل ربما يضمن تنفيذ الالتزامات الأمريكية السابقة.