كان بدّي اكتب عن التصنيف الأخير للبنان بمؤشر جمعية Transparency International للفساد. قبلو، كان بدّي اكتب عن التصنيف الأخير للبنان بمؤشر Economist Intelligence Unit للديموقراطية. بس لاحظت إنو الإستجابة الإعلامية للتصنيفين كانت ع قدّ الفضيحة، وإنو التغطية كانت كافية. هالشي طمّنّي إنّو في غيري بهالبلد عم يراقب هالمؤشرات وعم يكتب ع أساسها، وهالشي كتير مهم لأنو متى صارت هالمؤشرات ع رادارنا الإعلامي، بتصير كمان ع رادارنا السياسي (بالمعنى المنيح للكلمة، بمعنى التخطيط والحوكمة).  

نحنا اللبنانيي متشائمين وشكّاكين، ومنحبّ نفكّر إنّو في فصل كامل بين الإعلام وصنع القرار. أساسًا هيك بدهن يانا السياسيين إنّو نفكّر؛ بس المناوشات الأخيرة بين السياسيين والإعلاميين، أو بالأحرى هجمة السياسيين الأخيرة ع الإعلاميين، هي مجرد دليل ع هشاشة نخبة سياسية صارت مستوعبة منيح مدى هشاشتها و - هيدا الأخطر - مدى تأثرها بالسلطة الرابعة.

بمعنى تاني، في غيري كتير كريستوفر كولومبوس، ونحنا واعيين كتير منيح لوضع الفساد والديموقراطية بالبلد. وإذا بدنا نصدق هيغل، المسألة بس مسألة وقت قبل ما الإشيا الموجودة بمستوى الأفكار تحمل حالها وتنتقل ع مستوى الإشيا. ما في داعي إنّو إرجع إفتح سيرة هالمؤشرين حاليًا للمرة العاشرة.

يلّي عنجدّ بدّي أعملو، هوّي إنّي إتوجه لأعضاء المجالس الإدارية بهالمنظمات العالمية الّي عم بتمحّص العالم وبتقيّمو من كل شي في نواحي.

 مش إعتراضًا ع عملية التمحيص هيدي، بالعكس؛ نحنا البني آدمين بحاجة إنّو ندرس ونقيّم حالنا، وهالمعلومات بكل الأحوال متوافرة للكل، والعبرة بكيف منستعملها. صدقًا، شبعنا نظريات مؤامرة عن الماسونية العالمية.

بدّي إتشكرهن ع جهودهن الجبارة. أنا شخصيًا بلّش شغفي بمؤشرات الأداء العالمي خلال سنين الليسانس، وقت البلّشت إسأل حالي عن موقعنا بين دول العالم بغضّ النظر عن العرَق والتبّولة والنص ساعة بين الجبل والبحر، وكمان بغضّ النظر عن إصرار شوفوريّة السرڤيس إنّو لبنان أسوأ من بوركينا فاسو ،وإنو ما رح يشيلو من أزمتو إلا ديكتاتور عظيم. بلّش شغفي بمؤشرات الأداء العالمي وقت الكان عندي حاجة لحد ّأدنى من الموضوعية، وهالمؤشرات كانت، وبعدا، أقرب شي لهالموضوعية، ورح ضل ّمتابعها لَحدّ ما يخترعو شي فيو موضوعية أكتر.

غير هيك، بدّي إقترح عليهن مؤشر جديد، خلّينا نسميه "مؤشر الكاميرا أو الكلاشنيكوڤ"، أو بالإنكليزي، بما إنّو هنّي بيشتغلو بالإنكليزي، The Camera/Kalashnikov Index. قبل ما فصّل بالمؤشر، رح إحكي كيف إجتني فكرتو.

كنت عم بشتغل ع تطوير تدريب للبوليس البلدي عن المخالفات البيئية، ولاحظت إنّو واحد من الإرشادات يلّي عم نعملها، بيقضي إنّو البوليس يوثق المخالفة البيئية قبل ما يبلّغ عنها، خصوصي عن طريق التصوير. للحق، عتلت همّو للبوليس المعتّر يلّي رح يغلّط ويصوّر مخالفة. تذكرت العشر آلاف مرة يلّي توقّفت وحقّقو معي فيها لمجرد إنّي كنت عم صوّر منظر حلو. فكيف بمخالفة. بالنهاية، أنا مشروع مصوِّر أجهضو لبنان، مش أكتر ولا أقل.

ما تحمّلو البوليس كاميرا. حمِّلوه كلاشنيكوڤ. أسهل ميّة مرة إنّو الواحد يمشي ع الطريق حامل كلاشنيكوڤ من إنّو يمشي حامل كاميرا.

قصة منع التصوير بلبنان بتحزّن عن جدّ، مش بس لأنها بتحكي عن هشاشة الدولة الّي زهّرت بشكل بؤر أمنية ع مد ّالعين والنظر، إنما كمان بتحكي عن عداء بدائي لواحدة من أنبل الممارسات الإنسانية، يلّي هيي التصوير. التصوير نبيل لأنّو واحد من أهم وسايل التوثيق، ان كان توثيق تاريخي وقائعي أو بس توثيق وجّ حلو، ما بيفرق. والتوثيق هوّي ذاكرة، ونحنا شعب بحاجة لذاكرتو ت ما يعيدها لايڤ.

التصوير كمان نبيل لأنّو هوّي الشي يلّي بيعملو الغريب للغريب، وبالتالي المدينة يلّي ما بتتصوّر ما بتكون جديرة بهالإسم - سمّوها ضيعة كبيرة-، لأنّو المدينة هيّي par définition الموقع يلّي بيقدر فيو البني آدم يعيش كغريب من دون تبرير لهالغربيّة. المدينة يلّي ما بتتصوّر هيي مدينة بعد ما بلغت سنّ الرشد.

بالتالي، في حاجة حقيقية لنحطّ هالمسألة ع رادارنا، ولنبلّش نقيسها ونمحّصها ونشتغل ع أساسها؛ وبضمنلكن إنّو يوم الّي منتخطى هالمؤشر صوب الميلة التانية، ويصير أسهل علينا نحمل كاميرا من كلاشنيكوڤ ع الطريق، بيكون الفساد عنّا اضمحلّ، وبتكون الديموقراطية ازدهرت، وكمان بتكون حرية الإعلام عنّا ترسخت. هالعناصر كلّها بتمشي سوا، لأنها بالنهاية كلّها عم بتقيس كذا وجّ لسؤال واحد، هوّي وين نحنا من الإنسانية.

ونحنا بعاد، بس مش كتير بعاد.