يعرف الفساد إما باستغلال الوظيفة للحصول على منفعة شخصية دون جهد وبطريقة غير قانونية، أو بالتهرب من تكلفة الزامية كالضرائب والرسوم الحكومية. فهو إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسْب الخاص. وقد عرّفه البنك الدولي في تقرير التنمية الصادر عام 1997 على أنه: "سوء استغلال السلطة العامة من أجل الحصول على مكاسب شخصية". وفي تعريف منظَّمة الشفافية الدولية: "إساءة استعمال السلطة لتحقيق منافع ومكاسب خاصة، وذلك باستغلال السلطة الممنوحة سواء كانت في القطاع العام أو الخاص لتحقيق مكاسب شخصية، ولا يُشترط فيها أن تكون لمصلحة الفاسد الخاصة؛ بل تكون لأحد أفراد عائلته أو لقريب أو صديق أو لمؤسَّسة أو حزب أو منظمة أو مليشيا يتعاطف معها".  

التأثير الاقتصادي للفساد

معظم البحوث الاقتصادية الإحصائية التي أجريت لقياس مدى الارتباط، أثبتت أن الفساد يرتبط بعلاقة عكسية مع النمو الاقتصادي لأسباب متعددة. فكلما زاد الفساد قلّ الاستثمار الخاص وانخفضت كفاءة الإنفاق العام، ما يؤدي الى انخفاض معدلات النمو، والعكس صحيح. وإن كلفة الفساد على اقتصاد دولة معيّنة قد تراوح بين 5 و40% من ناتجها المحلّي مع معدل 30% للدول الناشئة أو في طور النمو. كما ان الفساد غالباً يؤدي الى التهرب من دفع الضرائب والرسوم الحكومية، فتقلّ حصيلة الإيرادات الضريبية، ومن ثم قدرة الحكومة على الإنفاق. كما ان التلاعب في منح المناقصات الحكومية ومراقبتها يؤديان الى ارتفاع تكلفة مشاريع البنية التحتية والاجتماعية، ويفسحان المجال للغش ومخالفة المواصفات، وبالتالي تردّي نوعية المباني والمنشآت وتقصير عمرها الافتراضي. فاستشراء الفساد يؤدي الى إهدار الموارد الوطنية ويضر بعدالة توزيع الثروة ويضعف الثقة في القطاع الحكومي ويزيد الاستياء الشعبي، وبالتالي إعاقة عملية التنمية الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

 الآفة الكبرى

 لقد أضحى الفساد ظاهرة عامة تعكس تدني وسوء البنية المؤسسية والهيكلية للنظام الاقتصادي والسياسي والقيمي والأخلاقي في لبنان. وقد أظهر تقرير مؤشر مدركات الفساد لعام 2017 الصادر عن "منظمة الشفافية الدولية" حلول لبنان في المركز 143 عالمياً، بعد ان كان في المرتبة 136 في مؤشر الفساد للعام 2016. وكان البنك الدولي قد قال في تقرير في 2016 إن هذا النظام مسؤول جزئياً عن الهدر. وقد أظهرت دراسة للبنك الدولي عام 2017 أن كلفة الفساد في لبنان تبلغ 10 مليارات دولار سنويّاً، بينها 5 مليارات دولار على شكل خسائر مباشرة وداخليّة في الإدارات العامّة. وتشمل هذه الفئة من الخسائر تحديداً الأموال التي يخسرها القطاع العام جرّاء الهدر والتهرّب الضريبي داخل هذه الإدارات. المستفيد من هذه الخسائر المباشرة هم أفراد من المسؤولين والسياسيّين. أما الـ5 مليارات الأخرى، فهي خسائر غير مباشرة (أو خارجيّة) مرتبطة بالاستثمارات وفرص العمل التي يؤدّي الفساد في لبنان إلى فقدانها. وتتشكّل هذه الفئة من الخسائر من الضرائب التي كان يمكن أن تجنيها الدولة من الإنتاج والرواتب والمبيعات من هذه الاستثمارات فيما لو كانت موجودة. وقد طالت فضائح الفساد كازينو لبنان والمنطقة الحرة في مطار بيروت وشركات المياه وقطاع الصحة والدواء الفاسد والمزور واللحوم الفاسدة والمرافق السياحية مثل مغارة جعيتا والأملاك البحرية، بالإضافة إلى ملف المهجرين وبعض البنوك وقطاع الكهرباء. هذا عدا عن تلزيم تعهدات مشاريع تأهيل الطرقات، والمناقصات والمزايدات على أنواعها للتلزيم في إنشاء المشاريع العامة. أربعة من مكامن الفساد في لبنان وحدها مسؤولة عن هدر نحو 5,400 مليارات ليرة، وهي قيمة كفيلة بإنهاء 69% من قيمة العجز في الموازنة، كما توازي بقيمتها 4.5 مرّات قيمة السلسلة التي جرى اقتراح الزيادات الضريبيّة على أساس تمويلها. ففاتورة تهّرب التجار من الضريبة في بور بيروت تتجاوز المليار و900 مليون دولار في السنة٬ إضافة الى مئات ملايين من الدولارات في المطار عبر المنطقة الحرة او عمليات التهريب أو التلزيمات التي لا تجرى لها أية مناقصات. الهدر في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تجاوز 133 مليون دولار، بينما العجز يرتفع سنوياً، وسجل 300 مليار ليرة العام الماضي. يعمل في إدارة البريد 60 موظفا ولها ميزانية سنوية قدرها 64.50 مليون دولار رغم أنها أوقفت كل أنشطتها في العام 1998، عندما جرت خصخصة خدمات البريد. لكنها لا تزال تصمم الطوابع البريدية. مؤسسة كهرباء لبنان امتصّت عبر السنوات ما مجموعه 35 مليار دولار لتغطية عجزها، أي ما يوازي 46% من الدين العام كما يقدّره مصرف لبنان. ويأخذ الهدر في المؤسسة أشكالاً مختلفة، بين كلفة الفيول العالية الذي تستفيد منه كارتيلات النفط، وضعف الإدارة، وضغط كارتيلات أصحاب المولّدات المستفيدة من تردّي الخدمة، بالإضافة إلى سوء الإنتاج والجباية والفائض في التوظيف وغيرها من العوامل. واستناداً إلى تقديرات الأمين العام لجمعيّة المصارف مكرم صادر، تبلغ قيمة التهرّب الضريبي لشركات القطاع الخاص في لبنان نحو 1.5 مليار دولار سنويّاً. وهو رقم يكفي وحده لسداد 29% من العجز في موازنة مثل موازنة العام 2017، كما يبلغ نحو 1.9 مرة من قيمة السلسلة. وإنّ الإحصاءات في مرفأ بيروت التي رُفعت الى المجلس الأعلى للجمارك تدل على خسائر في العائدات وصلت الى نحو 220 مليون دولار في السنة الأخيرة، ما يشكّل رقماً مخيفاً يدعو إلى معالجات فوريّة.

سبل مكافحة الفساد

إن تحسين شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية وضمان نمو اقتصادي مستدام ومرتفع يتطلب في الأساس القضاء على الفساد. وهذا يتطلب التخلي عن جدلية الفصل بين الاصلاح الاقتصادي والاصلاح السياسي، بل لقد أصبح الاصلاح السياسي شرطاً ضرورياً لنجاح الاصلاح الاقتصادي ورفع مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. إن مواجهة الفساد تمر بعدد من المراحل ومنها مرحلة مقاومة الفساد ومرحلة وقف ومنع الفساد، ومرحلة اجتثاث جذور الفساد. وهذا يتطلب فضح ممارسات الفساد في كل مرفق وجهة ومفصل، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب في محاربة الفساد ودعم الصحافة والإعلام في كشف ممارسات الفساد. غير أن وقف الفساد ومنعه لا يتمان إلا في ظل إصلاح سياسي حقيقي يؤدي إلى تقوية دور المؤسسات، وفي مقدمتها سلطة تشريعية قوية منتخبة وفقاً لنظام انتخابي صحيح يرضي أغلب فئات الشعب وانتخابات حرة ونزيهة، ولا يتم إلا في ظل قضاء مستقل استقلالاً تاماً، بدون ذلك سيظل الحديث عن الفساد والاصلاح الاقتصادي مجرد حديث ترفي عبثي ولكنه بالطبع سيحمل معه نتائج سلبية على الوطن والمواطن معاً .... فهل آن الوقت لوقفة جادة لمكافحة الفساد ومحاسبة المفسدين وتحقيق ثورة في الاقتصاد والاستثمار تنعكس آثارها بشكل ملموس على الوطن والمواط؟.

(د.أيمن عمر- باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية)