صوتت الدول الأعضاء في مجلس الأمن بالإجماع على قرار لإعلان هدنة مدتها 30 يومًا على الأقل في سوريا. لكن القرار الدولي لم يغير واقع القتل المبرمج، فغارات الطيران في اوج نشاطها تحصد المزيد من الأرواح في الغوطة الشرقية، وإبادة الشعب السوري مستمرة. ولن توقفها قرارات لاحقة ما دامت الدول العالمية والاقليمية قد ارتأت ان استثمار الثورة السورية والدم السوري يؤمنان إعادة تشكيل مناطق النفوذ وإحياء سوق السلاح العالمي. 

كل طرف يدرس أجندته على الفاصلة والنقطة. ولا حياء لدى أيٍّ منهم في مواصلة تنفيذ هذه الاجندة، فقط الشهوة الى مزيد من النفوذ والسيطرة والمكاسب تلوّن وجوه مجرمي التاريخ بلون أحمر مثل دم أطفال الغوطة الشرقية.

إيران التي تؤكد انها لا تتدخل في القتال وتكتفي بأن لها مستشارين الى جانب النظام الاسدي، ومع ذلك تعلن انها ستحترم ودمشق قرار الأمم المتحدة وقف إطلاق النار، لكنهما ستواصلان الهجمات على ضواح في دمشق يسيطر عليها الارهابيون.

حقيقةً، حلو الاحترام، ولا سيما عندما يشرعن استمرار المجزرة المفتوحة مذ ارتأى النظام الاسدي ان من يهتف: "يللا ارحل يا بشار" هو إرهابي يجب ان تنتزع حنجرته.

وبالطبع منذ ان جاء تحرك الشعب السوري ليهدد محور الممانعة، جُبه بحرب الإبادة التي خدمت هذا المحور ووسعت حركته وحولت كل الجرائم، التي تصنف في القانون الدولي ضد الإنسانية، وجهة نظر يمكن دحضها بالاكاذيب الإعلامية، وجاء اختلاق "داعش" لمنح جواز مرور الهي يحلل ارتكاب هذه الجرائم، ويروض الغرب والشرق على حد سواء ببعبع التطرف عبر عمليات نوعية تتبرمج غب الطلب عندما يشعر النظام الاسدي ومن خلفه محوره، بأنه مزنوق.

لا يهم كثيراً ان الغوطة الشرقية المحاصرة منذ العام 2013، التي تلقى أطفالها أولى فظائع الأسلحة الكيميائية، كشفت بشاعة أصحاب المشاريع التوسعية، التي لا تشبع من المخططات التدميرية واللعب الاستراتيجي لتغيير مندوبيها الساميين في المنطقة، من دون أي اهتمام او توقف عند الدم المراق لمئات الالاف من الأبرياء، ومن دون تحويل أكثر من نصف الشعب السوري الى لاجئين حيث يمكن استيعابهم او حيث لا يمكن.

لعل الأبشع في مأساة الشعب السوري هو انهيار منظومة المجتمع الدولي العاجز الى يومنا هذا وحتى إشعار آخر، عن وضع حد للمجزرة المتواصلة في سوريا، والسبب يتجاوز بيع النظام الاسدي نفسه لروسيا وإيران بغية الحصول على مزيد من الدعم لمواصلة مسيرة الاجرام والقتل، وما دام الفيتو باباً من أبواب منع احقاق الحقوق الإنسانية التي لا جدال فيها.

فقد بينت السنوات السبع من عمر حرب إبادة الشعب السوري ان الكل مستفيد من دماء هذا الشعب، لذا لا بأس باستمرار المذابح المفتوحة حتى تستوي المفاوضات لتكريس أحجام الدول المشاركة في سفك الدم وتحديد المصالح ومناطق النفوذ.

ما يدمي القلب في مأساة الشعب السوري، هو ترويج مؤيدي محور الممانعة لما يجري الغوطة الشرقية على انه إبادة للإرهاب، وتكذيب كل الوقائع وكل البينات التي لا تقبل الدحض والأدلة المثبتة وانكار البراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية التي تحصد الأطفال، ومحاولة تصوير تأثيرات القصف المضاد لأحياء في دمشق على انها أشد فظاعة من المجازر المتواصلة للقضاء على 400 الف انسان محاصر، جريمتهم انهم صمدوا ولم ينزحوا او يموتوا تحت وابل ما تفرزه طائرات النظام والطائرات الروسية لتحرير الغوطة من أهلها وتغيير ديموغرافيتها لاستكمال ما رأى محور الممانعة انه المخطط الانجح للسيطرة على شرق المتوسط.

مقابل كل هذه الوقائع، قد يستهجن بعض أطياف الممانعة ومن انخرط في محورهم لتحصيل النفوذ والمكاسب، استنكار شرائح واسعة في المجتمع الدولي وفي الاعلام الدولي وفي وسائل التواصل الاجتماعي لإراقة دماء الأطفال واستخدام مأساتهم للتدليل على منسوب الجرائم التي ترتكب في حق الإنسانية.

وقد يخترع بعض الممانعين ارقاماً لضحايا لا صور ولا أدلة تثبت موتهم، ويدّعون ان مدنيين ماتوا في الجهة المقابلة ولا بد من معاملتهم إعلامياً بالمثل. وذلك في رد على افتضاح امرهم، كما ورد في افتتاحية صحيفة الـ"تايمس" بعنوان "جهنم على الأرض"، حيث نشرت الصحيفة صور الضحايا وقالت إن الأطفال "يذبحون" جراء قصف قوات الرئيس السوري بشار الأسد للغوطة الشرقية.

هنا يحضر الى الذاكرة ما روي عن ان صدام حسين قال للعاهل الأردني الراحل الملك حسين ما معناه ان القضاء على نصف الشعب العراقي له فوائده التي تفوق أضراره، ما يخفف من المعارضين له ويروض من ينجو ويضمن للنظام البقاء.

اليوم، يبدو ان بشار الأسد الذي فاق صدام بإجرامه، يرى ان التخلص من غالبية الشعب السوري هو المطلوب ليبقى رئيساً لجمهورية الدم، ما يعطي دليلاً على ان هذه الغالبية لا تريده. لذا وجب تنظيف سوريا منها.

ليست المرة الأولى التي يشعر فيها المتابع لما يجري في سوريا باليأس والقرف والعجز، كأن عطلاً ما أصاب آلة العدالة ومنطقها وصحيحها وخطاياها. ولأن لا أحد يريد القيام بعمل حاسم لإصلاح هذه الآلة وإنقاذ الشعب السوري، أفلتت منظومة القتل وتجاوز القتلة كل الخطوط الحمر غير عابئين بتاريخ أحمر مثل دم أطفال الغوطة، المهم ان يُغرق الأحمر المشهد بحيث تستحيل الروية.