نادت موسكو مجلس الأمن لإيجاد حل للغوطة. لا تريد تحمل تبعات الجرائم التي ترتكب شرق دمشق. وسواء شاركت فيها أم صدق نفيها عدم المشاركة تظل مسؤولة مسؤولية النظام وحليفه الإيراني عما يحصل. بل الأرجح أنها قررت الرد على إحباط مشروعها السياسي في سوتشي، بعد التجرؤ عليها عسكرياً بضرب صورة «الانتصار» الذي تباهى به الرئيس فلاديمير بوتين قبل أشهر من قاعدة حميميم. وجرّ بعدها سلسلة من العمليات المؤلمة ضد قواته في أكثر من موقع. كان متوقعاً أن سيد الكرملين لن يسكت مع اقتراب الانتخابات الرئاسية. وعد شعبه باستعادة ما كان للإمبراطورية القيصرية ثم السوفياتية، فكيف له أن يرضى بتقويض كل ما بناه في سورية؟ دفع بأسلحة جديدة جوية وبرية ليس لاختبار مدى فاعليتها فقط. وليس هذا هدفه الأساسي. رسم المنخرطون في الحروب السورية خطوطاً حمراً سياسية وعسكرية، فقرر انطلاقاً من الغوطة وريف حمص بعدها وربما الجبهة الجنوبية لاحقاً، السيطرة على كل ما يقع تحت مرمى قدراته. وعلى المجتمع الدولي أن يهتم بالأزمة الإنسانية التي تخلفها الحرب المتنقلة. لن ينتظر سعي «مجموعة الخمسة» حتى التوصل إلى فرض «اللاورقة» تسوية سياسية تحت مظلة الأمم المتحدة. فهو جهد منذ انخراط جنوده مباشرة إلى جانب النظام لتقويض كل ما قررته المنظمة الدولية. واستطاع العمل من خارجها في آستانة بالتفاهم مع طهران وأنقرة. وفرض «مناطق خفض التوتر». وكاد ينتزع شرعية دولية لمشروعه السياسي. لكن حسابات البيدر في «مؤتمر الحوار الوطني» لم تطابق حسابات الحقل. وكان قبل «الشراكة الثلاثية» في العاصمة الكازاخية، أبرم عشرات الاتفاقات مع فصائل مسلحة لإخماد جبهات ومدن ودساكر ليتيح انتشار قوات النظام الذي استعاد المبادرة وحقق «إنجازات» على الأرض بدعم من إيران وميليشياتها.

أطراف كثيرة أسقطت مشروع سوتشي. الولايات المتحدة ودول أوروبية ومجمل الفصائل العسكرية الرئيسية و «الائتلاف الوطني» للمعارضة. لم يعد هناك تالياً مبرر لبقاء «مناطق خفض التوتر». فقد لجأت موسكو إلى هذه الهدنات توطئة أو رافعةً التسوية السياسية التي كانت ترسمها خدمة لأهدافها أولاً وأخيراً. لم تفلح هذه المحاولة في الالتفاف على دور الآخرين المعنيين بالأزمة السورية والقفز فوق القرارات الدولية. ولم يبق مفر أمامها سوى رفع التحدي والذهاب إلى خيار الحسم العسكري. ولا شك في أن معركة الغوطة تستهدف أولاً توفير الأمن في العاصمة دمشق ومحيطها. لكنها تؤشر أيضاً إلى بداية حرب واسعة لإسقاط كل مناطق التهدئة، أي إنهاء سيطرة الفصائل «المعتدلة» على هذه المناطق. علماً أن هذه حظيت باعتراف «ثلاثي آستانة» ووافقت على الهدنات. يعني ذلك أن روسيا نقلت الأزمة إلى مرحلة جديدة أشد شراسة. ستحرص على عدم التفريط بـ «الشراكة الثلاثية». فلا غنى لها عن القوى التي تخوض المواجهات على الأرض. إيران وميليشياتها وتركيا و «فصائلها». وقد غضت الطرف عن عملية «غصن الزيتون». وأتاحت لحكومة أردوغان أن تحتفظ بمناطق نفوذها المحاذية لحدودها، مقابل أن تسكت هذه على إنهاء سيطرة كل الفصائل القريبة منها، سواء كانت لـ «الجيش الحر» أو لقوى إسلامية معتدلة تنتشر في مناطق أخرى بعيداً من الحدود.

جاءت العودة الصارخة لموسكو إلى الحرب في سورية - وهي لم تتوقف أصلاً – في توقيت دقيق. جميع المتصارعين على هذا البلد يخوضون مناوشات ميدانية مباشرة تنذر بحرب واسعة. من روسيا إلى الولايات المتحدة مروراً بإيران وتركيا وإسرائيل. وحفلت الأسابيع الأخيرة بمفاجآت عسكرية منذ أكثر من شهر بلا توقف. وشكلت توكيداً صارخاً على أن الأزمة في بلاد الشام دخلت مرحلة جديدة. وبدا الرئيس بوتين أمام تحد مفصلي. ثمة نزاع على مستقبل مشروعه ودوره وقراره. تعرضت قواته لهجمات دموية. ولم يفلح مؤتمر سوتشي في دفع التسوية السياسية. فقد طرحت إدارة الرئيس دونالد ترامب بالتفاهم مع فرنسا وبريطانيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة رؤية مختلفة للحل السياسي والإصلاحات المطلوبة التي يجب أن تبقى تحت عباءة الأمم المتحدة. ولم تعد طهران تجول وتصول بلا رقيب أو حسيب. وحتى إسرائيل اندفعت بعيداً في غاراتها التي لم تعد أيضاً نزهة. وتركيا المتخبطة في سياسات متغيرة تخوض حرباً في شمال سورية يكتنف الغموض مآلها ومستقبلها ميدانياً وسياسياً. هذه المفاجآت كلها شكلت تهديداً لمشروع الكرملين وطموحاته واستراتيجيته.

أمام خطورة الانزلاق إلى حرب واسعة بين كل هذه القوى، وأمام انهيار قواعد اللعبة أو الاشتباك التي نسجها الكرملين طوال شهور، كان لا بد من نهج مختلف وسياسة أخرى أكثر صرامة تؤكد عبرهما موسكو أنها قادرة على التعامل مع المتغيرات. وهي تسعى على جبهة شمال سورية، كمثل طهران أيضاً، إلى المواءمة بين حرصها على التفاهم مع أنقرة وإرضاء الكرد. وإلى ترتيب تسوية تجنب القوات التركية الغرق في مستنقع عفرين. كل ذلك من أجل الحفاظ على الرئيس أردوغان بعيداً من واشنطن. وليس سراً أن ثمة باباً مفتوحاً بين أجهزة الأمن في كل من سورية وتركيا التي تتريث حكومتها أو تتورع الآن عن فتح خط سياسي مع جارتها الجنوبية. مع أن موسكو لا تنفك تذكرها بأن انتشار قواتها في الشمال السوري غير قانوني، تماماً كما هي حال القواعد الأميركية المنتشرة في الشرق والشمال السوريين. من جهة أخرى، قد لا تجد روسيا مشكلة عميقة مع إيران ما دامت انحازت إلى خيار الحسم العسكري. ولن يضير طهران، مرحلياً في الأقل، العمل تحت مظلة موسكو. فهي تحتاج إلى قوة دولية تساندها لمواجهة ضغوط القوى الغربية عليها هذه الأيام، وتهديدات بنيامين نتانياهو. ولا يستبعد أن ينجح الرئيس بوتين في نزع فتيل التوتر بين الجمهورية الإسلامية وإسرائيل التي دعا رئيس وزرائها موسكو إلى التدخل لوقف التصعيد بعد إسقاط «طائرة إف 16»، خصوصاً أن طهران فتحت باباً بردها على اتهامه إياها بالسعي إلى فتح جبهة الجولان، بالقول أنها جاءت إلى سورية لمواجهة الإرهاب. وإذا تعذر على سيد الكرملين اجتراح معجزة تؤدي إلى «تطبيع ما» بين الدولتين، فيمكنه أن يشكل مظلة توفر ضمان الهدوء على جبهة الجولان. ومثل هذا الاحتمال قد يخفف من وتيرة قوافل السلاح والصواريخ الإيرانية إلى سورية ولبنان أيضاً. ويبرد التهديدات المتبادلة بين طهران وكل من تل أبيب وواشنطن.

على جبهة الجنوب، تدفع روسيا نحو التفاهم مع الأردن من أجل دفع الفصائل في حوران إلى المصالحة مع النظام. وإذا فشلت المساعي قد لا تنجو هذه المنطقة من خيار الحسم، كما هي الحال اليوم في الغوطة. فيما يكثر الحديث عن معركة مقبلة في ريف حمص التي يمكن الفصائل هناك أن تصمد أكثر حيث لا مشكلة إنسانية حادة كما هي الحال في دوما وحرستا وشقيقاتهما. أما شرق البلاد فقد أكدت الولايات المتحدة حضورها بالحديد والنار اللذين لم يوفرا قوات النظام وحليفيها الروسي والإيراني. حازت القوات الأميركية وحليفتها «قوات سورية الديموقراطية» منطقة استراتيجية لا تقل أهمية عن الساحل السوري الذي تقيم فيه روسيا قاعدتيها ومواقع انتشارها، غير عابئة بأصوات دمشق وطهران وموسكو أن وجودها احتلال ما دام لم يحظ بموافقة حكومة الرئيس بشار الأسد. في الشرق الشمالي معظم الثروة النفطية والمعدنية ونحو نصف إهراءات الزراعة والغذاء.

خلاصة القول، إن الكرملين الذي فشل في إلزام الشركاء والخصوم، في السنتين الماضيتين، احترام قواعد اللعبة التي رسمها، وحدود النفوذ التي «وزعها» على هذا الطرف وذاك، يجد نفسه مجبراً على خوض حرب واسعة لن تكون هينة. ففي الغوطة المحاصرة منذ أكثر من أربع سنوات قرابة عشرين ألف مقاتل، فهل يستسلمون بيسر وسهولة؟ ناهيك ببضعة آلاف في ريف حمص وجبهة الجنوب الواسعة. وهل ينجح الرئيس بوتين في تطبيق نموذج الشيشان في سورية؟ وإذا نجحت سياسة الأرض المحروقة في تطويع السوريين ماذا سيقدم لهم حتى تهدأ النفوس والقلوب؟ أعاد إعمار غروزني وجعلها نموذجاً أنفق عليه الكثير إلى حد أثار حفيظة الروس. فهل يهدي إلى أهل الشام رأس النظام، ملقياً عليه المسؤولية عن جرائم الحرب التي ترتكب يومياً ويغسل يديه متبرئاً؟