ما تزال وتيرة الاستعداد للانتخابات النيابية المقرّرة في 6 أيار المقبل متفاوتةً وفي ارتفاعٍ وهبوط بين مختلف القوى السياسية، حتى إنّها تبعث على الخشية من أن تكون هناك جهات فاعلة ومؤثّرة ما تزال تعمل على تأجيل هذا الاستحقاق لفترةٍ إضافية، وهو ما يَدفع قوى إلى إبداء حماسة وجدّية زائدة لخوض الانتخابات لئلّا يُحمّلَها أحدٌ في الداخل أو الخارج مسؤولية التأجيل أو التعطيل، ولكي يتحمّلَ الراغبون في التأجيل من قوى داخلية وخارجية هذه المسؤولية
 

إلى الهواجس والمخاوف السائدة حول الاستحقاق النيابي، ثمّة مِن المعنيين مَن يقول إنه لن يكون سهلاً على الناخبين فهمُ قانونِ الانتخاب الجديد بحواصلِه الانتخابية واحتسابِ أصواته التفضيلية وفرزِ الفائزين من الخاسرين، وإنّ مهلة الثلاثة والسبعين يوماً الفاصلة عن موعد الانتخابات في 6 أيار المقبل قد لا تكون كافية للشرح والإفهام والتعليم، إذ سيظلّ بين الناخبين مَن سيحتاج للإرشاد حتى داخل أقلام الاقتراع لضمان انتخابِهم بطريقة صحيحة تُجنّب إلغاءَ تصويتهم في حال اعترَته أخطاء.

ولكنّ سياسيين يقولون إنّ قانون الانتخاب الجديد سيشكّل اختباراً جدّياً للبلاد لجهةِ مدى تقبّلِها النظامَ الانتخابي النسبي على رغمِ ما يعتريه من شوائب، وربّما نواقصَ، ومِن موادّ تتعارض مع حقوق الإنسان، ولكنّ هذه الشوائب يمكن معالجتُها مستقبلاً في حال ثبتَ أنّ هذا «النظام النسبي» يَصلح لتحقيق عدالةِ التمثيل الشعبي وشموليتهِ في الندوة النيابية، والتي يتحدّث عنها «اتّفاق الطائف» والدستور الذي انبثقَ منه.

وقمّةُ الشوائب في القانون الانتخابي الجديد تتمثّل باللوائح المقفَلة التي لا يحقّ للناخب تشطيبَ أيَّ اسمٍ فيها، والشيء الوحيد الذي يحقّ له كتابتُه هو «التأكيس» لمرشّح واحِد يختاره من اللائحة التي انتخَبها لإعطائه « الصوتَ التفضيلي» ما يَعني أنّ القانون يقيّد حرّيته الانتخابية، ويَمنعه من اتّخاذ خيارات حرّة، فهو يمكن أن يكون مؤيّداً لرئيس اللائحة أو لغالبية مرشّحيها ولكنّه يريد أن يشطب أسماءَ مرشّحين لا يؤيّدهم، ربما كانوا نوّاباً ولم يحسِنوا تمثيلَ الناس، ما يستدعي محاسبتَهم بعدم انتخابِهم لولاية جديدة.

وأكثر من ذلك، فإنّ الترشيحات بلوائح مقفَلة لهذا الفريق السياسي أو ذاك، تتعارض مع المبدأ الديموقراطي وتعطي الحرّية لكلّ فريق في أن يختار مَن يريد من المرشّحين مِن دون أن يكون ملزَماً باعتماد التنوّع في الترشيحات بما يراعي التنوّعَ في الخيارات الانتخابية على مستوى القواعد الشعبية التي ينبغي أن يُتاح لها في مكانٍ ما أن تنتخب مرشّحين وأن لا تنتخب مرشّحين آخَرين يخوضون المعركة الانتخابية، وذلك حتى يشكّل هذا الأمر دافعاً للنوّاب إلى التنافس على خدمة الناخبين وتمثيلِهم خيرَ تمثيل في المجلس النيابي والمساهمة في سَنِّ تشريعات لِما فيه مصلحة القواعد الناخبة التي «اعتنَقت» برامجَ المرشّحين الانتخابية.

ويرى فريقٌ من السياسيين أنّ القانون الانتخابي، وعلى رغم ما يَعِد به، في نظر البعض، مِن «تمثيل عادل» لمختلف المكوّنات السياسية والطائفية في البلاد، قد لا يحدّ من سلطةِ المال السياسي وتأثيرِه على الناخبين هنا وهناك وهنالك، خصوصاً أنّ «الحاصل الانتخابي» معطوفاً على «الصوت التفضيلي» يشكّلان في نحوٍ أو آخر وجهاً من وجوه النظام الانتخابي الأكثري الذي شيمتُه الإقصاء وإقصارُ التمثيل النيابي على قوى سياسية كبيرة ومؤثّرة قادرة على ابتلاع القوى الصغرى مِثل ابتلاع السمكِ الكبير للسمك الصغير في البحار.

وهناك يَعتقد البعض أنّ القانون الانتخابي يؤسس لاصطفافات سياسية جديدة بعد الانتخابات كونه سيُعيد إلى الندوة النيابية المجموعات السياسية نفسَها التي تتنازع السلطة والخيارات والمشاريع السياسية منذ أن نشَأ معسكرا 8 و14 آذار عام 2005، خصوصاً أنّ التحالفات الانتخابية التي بدأت تترسّم في الأفق في خضَمّ التحضيرات الجارية للانتخابات، تشير إلى احتمال عودة الاصطفافات السياسية إلى الواقع، ولكن بطبعات جديدة أو منقّحة، تبعاً لطبيعة القوى التي بدأت تنسج التحالفات الانتخابية في ما بينها، وهي تحالفات تستبطِن تحضيراً غيرَ مباشر لاستحقاقَي رئاسة الحكومة الجديدة التي ستنبثق من الانتخابات، وانتخابات رئاسة الجمهورية عام 2022، على رغم أنّ المجلس النيابي الجديد لن يكون المجلس الذي سينتخب رئيسَ الجمهورية الذي سيَخلف الرئيس ميشال عون لأنّ ولايته ستنتهي في 6 أيار 2022، فيما ولاية عون تنتهي في 31 تشرين الأوّل من العام نفسه.

ولذلك لا يزال هنا مَن يعمل في الخفاء داخلياً وخارجياً، على فرضِ تأجيل الانتخابات لستّة أشهر على الأقلّ، فيما يؤكّد بعض المعنيين أنّ المجلس الجديد ينبغي أن يكون بالقانون الذي سينتخبه موضعَ تقويمٍ سلباً أو إيجاباً لتطويره بعد سَدِّ الثغرات التي يمكن أن تتكشّف من خلال تطبيقِه للمرّة الأولى في تاريخ الجمهورية اللبنانية.

وإذ يُسأل متخصّصون في الشأن الانتخابي عمّا يَحدث عندما يُحتسَب «الصوت التفضيلي» بين أفراد اللائحة الواحدة عند فرزِ النتائح وتحديد الفائزين، يردّ هؤلاء أنفسُهم على تساؤلهم بدعوة المهتمين إلى قراءة ما ورَد في سورة «عبس» من القرآن الكريم لانطباقها على الواقع، إذ تقول: «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41)».