نقول لحزب الله، أن لك كل الحق بأن تؤرشف إنجازاتك ولكن كل هذا لا يعطيك الحق بتزوير التاريخ ولا باللجوء إلى هذه الوسائل الرخيصة رحمة بالشهداء
 

قيل قديمًا التاريخ يكتبه الأقوياء، ويمكن أن يقال الآن التاريخ يكتبه خبراء الغرافيكس (الرسوم البيانية). وهذا الإستنتاج لا يحتاج إلى كثير إعمال عقل أو التفتيش عن شواهد وأدلة، يكفي أن تشاهد الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة المنار حول عملية الإستشهادي أحمد قصير التي جرت في 11/ 11 / 1982. لم يقتصر هدف الوثائقي على العملية نفسها ومدلولاتها ومن يقف خلفها ومن دبرها وخطط لها وما هي النتائج المهمة التي حصدتها، وإلا لكان الأمر مفهومًا واختصر الخلاف حوله على تفاصيل تاريخية وتعقيدات يمكن التساهل بها متعلقة بطبيعة المرحلة والتداخل الذي كان حاصلًا يومها بين حركة أمل من جهة ومجموعات شبابية أطلقت على نفسها فيما بعد تسمية حزب الله.  فمن يشاهد الفيلم يدرك سريعا أن المراد منه هو  تحريف منهجي مقصود لأصل تاريخ المقاومة والصراع مع المحتل الإسرائيلي، وبأنه يحتوي بمضامينه على فلاشات تطال العمق الثقافي والتروبوي وصولًا للمفهوم الوطني للمقاومة. فبعد مشاهد إجتياح العدو الإسرائيلي للبنان، وهزيمة القوى الوطنية اللبنانية والفلسطينية أمام دباباته، يأتي النداء الوحيد من أقصى الأرض بضرورة القتال والمواجهة عبر فتوى للإمام الخميني كانت هي وحدها برأي منتجي الفيلم سببًا وحيدًا لإنطلاق المقاومة في بيروت والجنوب.

إقرأ أيضًا: لهيب الصنوبر ... وثائقي من إعداد قناة المنار يستفز جمهور حركة أمل وفي هذه المقاربة الغريبة العجيبة، مُسح من التاريخ والذاكرة كل مواقف الإمام السيد موسى الصدر ومدرسته وتعبئته لسنوات سبقت الإحتلال، ولفصيل عسكري كان أنشأه الإمام أصلا تحت عنوان "أفواج المقاومة اللبنانية - أمل" حيث إختفى هذا التنظيم وكل مقاتليه من كل الفيلم ولم يأت على ذكره إلا لمما لرفع العتب كمشارك مع غيره في مواجهة مدرسة الزهراء (وليس خلدة). أما الغائب الأكبر، فهو الأحزاب الوطنية اللبنانية وبمقدمتهم الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي، ولا يوجد أي أثر لجورج حاوي ومحسن إبراهيم وإعلانهما التاريخي لإنطلاقة "جبهة المقاومة اللبنانية - جمول" قبل عملية الشهيد أحمد قصير بشهرين!  وبالعودة إلى العملية وتفاصيلها ومجرياتها، فقد كان لافت الإصرار، على إقحام الحاج عماد مغنية (20 سنة) محل الشهيد محمد سعد الذي يعلم أهل الجنوب أنه الرأس المدبر لهذه العملية، ولتأكيد هذا الأمر إستعان المخرج بمقاطع من الغرافيك الساذجة، مضاف إليها إجابات لجنرالات صهيونية مقتطعة يلفظ فيها إسم مغنية كرد على أسئلة لا نعرف ما هي! وهل طرحت عن نفس هذه العملية أو غيرها! 

إقرأ أيضًا: إيران تهرب بأقل من سبع دقائق ونصف وطبعًا لم ينس مخرج الفيلم التذكير مرة جديدة أن مغنية إستصدر فتوى من الإمام الخميني خاص ناص لتنفيذ هذه العملية متناسيًا أن في تلك المرحلة لم يكن يوجد هواتف ولا إنترنت وأن الوصول إلى الإمام الخميني كان يحتاج أشهر  عديدة!  صحيح أنني لست ناقد فني، إلا أنني كمشاهد أستطيع أن أتلمس ركاكة الفيلم وإخراجه، إن من خلال شهادة شاهد العيان الذي لفت نظره سيارة البيجو البيضاء! مع أن الجميع يعلم أن مركز الحاكم العسكري يقع على أوتوستراد يمر عليه آلاف السيارات وبالرغم من ذلك فقد إستطاع هذا "الشاهد" الأربعيني (5 سنوات يوم العملية) أن يخبرنا عن حركة السيارة والتفاتاتها أكثر من مرة! أو من خلال الشاهد الثاني "الدكتور" الذي إستطاع أن يحصي عدد القتلى وهو يرتشف القهوة على شرفة المستشفى البعيدة نسبيا عن موقع الإنفجار! ختامًا، نقول لحزب الله، أن لك كل الحق بأن تؤرشف إنجازاتك، ومن حقك أيضًا أن تؤرخ مسيرة شهدائك الذين نحترمهم ونجلهم وننحني جميعنا أمام تضحياتهم ولكن كل هذا لا يعطيك الحق بتزوير التاريخ ولا باللجوء إلى هذه الوسائل الرخيصة رحمة بالشهداء وصونا لتضحيات الآخرين.