للتذكير، هناك فقط أسبوعان وتنتهي مهلة الترشّح للانتخابات. صحيح أنّ القوى السياسية كلّها حدّدت مواعيد لتقديم لوائحها، لكن حماوة التحضير لهذه الانتخابات المصيرية لا تتجاوز الحماوة التي ترافق عادةً أي انتخابات نقابية عادية. وفي تاريخه، لم يشهد لبنان مثل هذه البرودة والغموض والإرباك عشيّة انتخاباته النيابية. فهل يعود ذلك إلى أنّ البعض لا يصدِّق أنّ الانتخابات ستُجرى في موعدها أو، بالأحرى، أنه لا يريد أن يصدق؟
 

يتردَّد في بعض الأوساط أنّ قوى أساسية لا تزال غير واثقة في أن الانتخابات ستُجرى في 6 أيار، لكنها تخشى أن تعلن ذلك، وتصرّ على التعاطي مع الانتخابات وكأنها حاصلة حتماً، خوفاً من تعرّضها هي وقواعدها الناخبة لصدمة معينة.

فهذه القوى تتحسَّب لاحتمال أن يكون هناك من يتعمَّد زرع الشكوك في جدّية إجراء الانتخابات في موعدها، لأنه يريد الذهاب في اللحظات الأخيرة إلى صناديق الاقتراع و»الغدر» بالقوى التي فاجأتها المعركة، ويتحقق فوزٌ سهلٌ للقوى التي تمتلك ماكينات منظمة وجماهير موالية، ولها سلطة القرار.

هذا المنطق فيه كثير من الصواب. وإشاعة الكلام على التأجيل قد تكون جزءاً من تكتيك القوى المستفيدة من الانتخابات لإضعاف الخصوم إلى أقصى حدّ ممكن وإبقائهم في حال الإرباك. ولا بدّ لهؤلاء، تحوُّطاً، من أن يحافظوا على دينامية انتخابية عالية المستوى… إلى أن يَثبت لهم «بالعين المجرَّدة» أنّ الانتخابات «طارت من مكانها»، إذا كان يُراد تطييرها فعلاً.

المتابعون ما زالوا حتى اليوم يقولون: حظوظُ إجراء الانتخابات لا تتجاوز الـ50% على رغم الضجيج المثار حولها. ويمكن القول إنّ ورقة 6 أيار ما زالت قيد المساومة بين القوى النافذة. وعلى أساس النتائج سيكون القرار بإنجاز الاستحقاق بعد شهرين ونصف الشهر أو في موعد آخر.

مَن هم المحشورون بالانتخابات حالياً، أي الذين يرغبون في تأجيلها؟ وما حدود قدرتهم على تحقيق هذا الهدف؟

بات واضحاً أنّ كتلتين أساسيتين في المجلس النيابي الحالي، هما «التيار الوطني الحرّ» و»المستقبل» ستصيبهما الانتخابات المقبلة بأضرار جسيمة. واللافت أنهما كتلتا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، أي اثنين من «ترويكا» الحكم. كما أنهما الكتلتان الأكبر للمسيحيين والسنّة في المجلس النيابي.

هذا يعني أنّ الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري لن يكونا بعد الانتخابات بالقوة إيّاها، في السلطة وفي المجلس النيابي والمعنويات العالية لجهة التمثيل الشعبي. وعلى العكس، ستُظهِر صناديق الاقتراع أنّ ثالث «الترويكا»، الرئيس نبيه بري، مع «حزب الله»، سيكون أقوى في الحكم والمجلس النيابي والتمثيل الشعبي.

وهناك مآزق عدّة، واقعية ورمزية، تنتظر باسيل والحريري في المعركة، عدا عن المأزق الأساسي الذي هو تراجع الكتلتين في الحجم، ومنها:

- ما التداعيات المحتملة، سياسياً، إذا لم يستطع الوزير جبران باسيل، مرّة أخرى، دخول المجلس النيابي؟

- ما تداعيات استعادة بري مقعداً نيابياً في جزين - وهو أمر شبه محسوم- بفضل النظام النسبي والصوت التفضيلي وانحياز «حزب الله» إلى شريكه الشيعي في هذه الدائرة؟

- ماذا لو جاءت نتائج معركة كسروان - جبيل، حيث رمزية مقعد عون، مخيّبة لـ»التيار»؟

- كيف ستنعكس خسارة «المستقبل»- المرجَّحة - مقعداً نيابياً في صيدا لمصلحة مرشح «حزب الله» المهندس أسامة سعد؟

- ما انعكاسات معركة طرابلس إذا تحالف الرئيس نجيب ميقاتي واللواء أشرف ريفي وربما قوى طرابلسية أخرى؟

- هل يضمن الحريري نتائج معركة بيروت في ظل القانون الحالي؟

- كيف يقول الحريري إنه سيخوض معركة سياسية ضد سيطرة «حزب الله» في الانتخابات، فيما هو يتحالف كلياً مع حليفه المسيحي الوحيد، «التيار الوطني الحر»؟

يعاني باسيل من مأزق أنّ «حزب الله» اختار بري أولوية انتخابية. وعلى العكس، يعاني الحريري من مأزق اختياره إعلان الحرب المفتوحة على «حزب الله» في هذه الانتخابات.

واقعياً، سيراهن باسيل على التنسيق مع بري، بواسطة «الحزب»، حيث تقتضي المصلحة المتبادلة. وسيراهن الحريري على التنسيق مع «الحزب»، من خلال بري، حيث تقتضي المصلحة المتبادلة أيضاً.

أساساً، بخسارة قانون 1960، خسر باسيل والحريري فضائل تركيب البوسطات والمحادل في دوائر معينة، وركوبها في دوائر أخرى. وتمكّن السائق الشيعي من تدبير أموره بالقانون الجديد، تاركاً للآخرين أن «يدبِّروا رؤوسهم».

وتوقيت المعركة الملتهبة بين بري وباسيل ليس مناسباً للثاني. وعون أخذ على عاتقه «الصلحة بالواسطة»، لكنّ الأزمة مستمرة في العمق. وهي مكلفة لباسيل لا لبري.

بعد الانتخابات النيابية، سيضمن بري استمراره في رئاسة المجلس لأنّ الثنائي الشيعي يمتلك غالبية مريحة. ولكن، أي أزمة ستقع إذا وضع رئيس المجلس شروطاً مقابل الموافقة على عودة باسيل إلى الحكومة المقبلة وتسليمه الحقائب التي يطمح إليها عادةً؟

إذاً، من مصلحة باسيل (عون) والحريري تأجيل الانتخابات. وربما تكون قوى دولية غير متحمّسة لإجرائها أيضاً ما دامت ستؤدي، في ظل هذا القانون والمعطيات السياسية، إلى سيطرة كاملة لـ»حزب الله» على القرار في لبنان.

للأسباب إيّاها، يرغب «حزب الله» في إجراء الانتخابات في أقرب ما يمكن ليضمن الغالبية المنشودة والتحكّم بالقرار اللبناني، تَحوُّطاً لمعطيات إقليمية تضعف إيران وداخلية قد تقود إلى إضعاف نفوذه.

لكنّ «الحزب»، في الوقت عينه، ربما يكون مستعداً للمساومة على التأجيل بضعة أشهر إذا كانت أرباحه مضمونة من هذه المساومة، وتكرِّس نفوذه في العهد الحالي ومؤسساته وحكومته الحالية والمقبلة… وصولاً إلى العهد المقبل.

في هذه الحال، ينشأ تقاطع بين قوى متصارعة حول خيار تطيير الانتخابات، كلٌّ منها يريده من أجل تحقيق هدف معين. ولكن، مَن سيتخذ المبادرة حينئذٍ لتبرير التعطيل، من دون أن يتحمَّل المسؤولية؟

ليس هناك جسمٌ لبّيس أكثر من العدو الإسرائيلي. وتوقيت تصعيده البحري والبري لا يناسب السيادة الوطنية لكنه مناسب لتطيير الاستحقاقات الدستورية، ويصلح «ذريعة نموذجية»… إذا احتاج الأمر إلى ذلك!