تكتيك أردوغان المتمثل في التأرجح بين الحرص على عدم القطيعة مع الغرب والانفتاح على روسيا والشرق، لا يضمن تبلور استراتيجية تحمي المصالح التركية
 

أتت زيارة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى تركيا، هذا الأسبوع، والتي ستعقبها زيارة لمستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر، خلال أيام، لإجراء محادثات دقيقة وصعبة مع وصول العلاقات الثنائية إلى حافة الهاوية ومخاطر القطيعة بين الحليفين الأطلسيين بسبب العملية العسكرية التركية في منطقة عفرين ودعم واشنطن لوحدات الحماية الكردية في سوريا. يترافق ذلك مع تعزيز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من استدارته نحو روسيا، في الوقت الذي استمر فيه تراجع العلاقات التركية مع ألمانيا والاتحاد الأوروبي.

هكذا يتواصل التباعد بين أنقرة والغرب على أكثر من صعيد وخاصة لجهة تأجيج غضب الرأي العام التركي إزاء الولايات المتحدة والتركيز على خطاب يعادي الغرب ويجمع بين التيار الديني المحافظ والتيار القومي العلماني. بيد أن تكتيك أردوغان المتمثل في التأرجح بين الحرص على عدم القطيعة مع الغرب والانفتاح على روسيا والشرق، لا يضمن تبلور استراتيجية تحمي المصالح التركية وترتبط بخيارات أردوغان في الإصرار على ربط النفوذ الإقليمي لبلاده وصعوده الشخصي على سلالم الشرق، من خلال تضخيم الهاجس الكردي وتأليب الشعور القومي التركي والتباس شبكة تحالفات أنقرة الإقليمية.

بعد إفشال المحاولة الانقلابية في صيف 2016، نشهد إعادة تموضع للسياسات التركية وأصبحت نظرية “صفر مشاكل” لصاحبها رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو وراءنا وحل مكانها انخراط تركيا في كل مشاكل الإقليم ليس على الساحة السورية وفي مواجهة المسألة الكردية فحسب، بل كذلك مع قبرص واليونان ومصر في نزاع حول ترسيم الحدود البحرية وثروات الطاقة، بالإضافة إلى إرسال قوات إلى قطر ونسج شبكة وجود عسكري ودبلوماسي من الصومال إلى سواكن السودانية.

من خلال هذا النهج الهجومي لا تقتصر مقاربة أردوغان على أولوية أمن تركيا القومي ووحدة البلاد السياسية والجغرافية حسب الخطاب الرسمي، لكنها ترتبط بحرص الرئيس التركي على أن يقود التحول الكبير لبلاده وفق نهج يجمع بين استحضار التاريخ العثماني ومقتضيات اللعبة المعاصرة وتعقيداتها.

لكن “السلطان الجديد” الذي نفى مرارا رغبته في إرساء نهج عثماني جديد، لم يتردد أخيرا في استخدام عبارة “الصفعة العثمانية” في إطار حملته على الجانب الأميركي بخصوص منبج. والأهم أن أردوغان يطبق ذلك عمليا في مسعاه لإبعاد ما يعتبره “النفوذ الغربي” داخل المؤسسة العسكرية التركية.

بعد محاولة انقلاب 15 يوليو 2016، جرى فصل 149 جنرالا من أصل 358، وتم إنهاء خدمة 10840 ضابطا وجنديا. وطالت حملة التطهير الواسعة 400 ملحق عسكري تركي كانوا يخدمون في حلف شمال الأطلسي. ويشرف على مختبر تغيير وجه الجيش التركي المستشار الرئيسي لأردوغان، الجنرال المتقاعد عدنان تانريفردي المعروف بتوجهاته المحافظة والإسلامية، ويندرج ذلك في ترتيب تحالف قوي بين أردوغان والجيش الجديد والأوساط الإسلامية والقومية، مما يتيح التجديد لأردوغان في الانتخابات الرئاسية القادمة في مواجهة المعارضة.

ومن أجل خدمة هذا النهج كانت عملية “درع الفرات” في صيف 2016 التي أتاحت تركيزا لنواة نفوذ تركي في الشمال السوري. وفي يناير 2018 استفاد أردوغان من التناقض الأميركي – الروسي حيال الأكراد ومن حاجة روسيا لمشاركته في مساري أستانة وسوتشي كي تطلق أنقرة ما أسمته “عملية غصن الزيتون” بهدف ضرب الشريط الكردي الملاصق لحدود تركيا.

وبعد حوالي الشهر على هذه العملية، لم تتمكن القوات التركية وحلفاؤها من المعارضة السورية من تحقيق إنجاز خاطف، وشكل الفيتو الأميركي على دخول منبج مأزقا دفع بالقيادة التركية للتفاوض مع واشنطن حول فكرة المنطقة الآمنة أو انسحاب قوات الحماية الكردية نحو شرق الفرات. وفي هذا الوقت استمر نشر قوات تركية ومراقبين أتراك في منطقة خفض التوتر في إدلب وجنوب حاب وذلك بالتنسيق مع روسيا التي تبدو حريصة على نفخ النار في رماد الحذر السائد بين أنقرة وواشنطن وحلف شمال الأطلسي.

وفي مسعى للترويج لنقاط القوة إن كان من خلال موقع بلاده (الجسر بين الغرب والشرق) وإن لنواح جيواستراتيجية أخرى، لوّح أكثر من مسؤول تركي بإغلاق قاعدة إنجيرليك التي تستخدمها طائرات التحالف الدولي في حربها ضد الإرهاب، وطال الأمر قاعدة كوريسيك في جنوب شرق تركيا وهي قاعدة رادار مهمة للأمن الإقليمي للناتو ويمكن لإغلاقها أن يمس إسرائيل.

حيال رفض واشنطن تسليم الداعية فتح الله غولن واستمرار سياسة البنتاغون في العلاقة مع الأكراد حسبما رسمتها إدارة أوباما وأعطتها زخما استراتيجية واشنطن الجديدة إزاء سوريا، لا تكتفي تركيا بإطلاق اسم عملية غصن الزيتون على الجادة المحاذية للسفارة الأميركية في أنقرة، بل تزيد من تنسيقها مع موسكو وتعميق صلاتها مع طهران إلى حد أن أردوغان اتهم واشنطن باستهداف مصالح روسيا وتركيا وإيران في سوريا.

من خلال هذه الرقصة بين موسكو وواشنطن، يتصور رجب طيب أردوغان أن نفوذ بلاده الإقليمي سيتعزز وأنه سيكون أتاتورك القرن الحادي والعشرين. وهو لا يتردد في الزج بسوريين من أجل تصفية الحساب مع الأكراد السوريين وفي هذه اللعبة الإقليمية – العالمية الدموية يشهد المسرح السوري على كل أنواع الاحتدام من أجل خدمة مصالح الجميع باستثناء مصلحة سوريا والسوريين.