لا شكّ أن العلوم الدينية هي من العمق والاتساع بدرجة تحتاج إلى الاختصاص، ونلاحظ في شأن الحوزة العلمية سواء في النجف أو في غيرها، أن الطالب يمكث عدداً كبيراً من السنوات لكي ينهي المراحل المتقدمة نسبياً من علمي الفقه والأصول
 

يقول سماحة العلامة المفكر الاسلامي السيد محمد حسن الأمين ان العلوم الدينية ومن وجهة نظرنا لا بد من تجديد منهاج الحوزة في الدراسة بحيث يتوفر في الطالب على ما يكفي من علم الأصول والفقه، وأن يوجه جهده للعلوم الدينية الأخرى كعلم الكلام، والفلسفة وعلم التفسير، فهذه العلوم تتكامل مع الميل الأصولي والفقه، ومن هنا كانت بادرة افتتاح “كلية الفقه” في النجف الأشرف على يد أحد كبار العلماء الموسوعيين وهو المقدس الشيخ محمد رضا المظفر، والذي وضع كتباً ميسّرة في علم المنطق والأصول، ولكنه لم يكتف بذلك، بل رأى أن الطالب يجب أن يحوز على حد أدنى من العلوم الإنسانية كعلم النفس وعلم الاجتماع، والأدب وكذلك اللغات الأجنبية، لكي يكون مهيّئاً لأن يكون داعية حصيناً ملمّاً بعلوم عصرة بالإضافة إلى علوم الدين”.

وعن تجربته في الدراسة بكلية الفقه يقول السيد الأمين: “لقد شعرت وأنا ممن درسوا لمدة سنوات وتخرجت نهاية الستينات من القرن الفائت من كلية الفقه في النجف الأشرف في العراق، فقد لمست بصورة واضحة أن دراستي هذه منحتني آفاقاً أوسع لا في العلوم الإنسانية فحسب، بل أيضاً في العلوم الدينية نفسها وبتقديري أنه بات من الضروري أن يعتمد هذا النهج في العلوم الدينية، فيكون مزيجاً منها ومن العلوم الإنسانية”.

ويزيد السيد الأمين “من الطبيعي ونحن نعرض هذا الرأي في موضوع العلوم الدينية أن نلفت أيضاً إلى أن الثقافة المتنوعة والإلمام بعلوم العصر يجعلنا أقرب إلى وظيفة الداعية الدينية، وأما فيما يتعلق بالشأن السياسي فإن هذه العلوم توضح لنا أكثر الفصل بين الدين والسياسة، لا بمعنى التناقض بينهما، ولكن بمعنى أن لا يكون رجل الدين أو عالم الدين هو بالضرورة مرجع سياسي، ويبدو أقرب إلى الوعي اتجاه أن عالم الدين هو عضو في المجتمع السياسي يحق له أن يمارس دوراً سياسياً ولكن لا بوصفه ناطقاً بإسم الدين، وللسياسة شؤونها وشجونها، ومصادر شرعيتها، ولا يمنع عندما يكون المجتمع متديناً أن يفرز قيادات دينية لا لكونها دينية فحسب، بل لكونها تملك الرؤية السياسية، وبالتالي يكون الاستحقاق الذي يناله عالم الدين عندما يتسلم منصباً سياسياً، يكون قد تسلّم هذا المنصب، لأنه يستحق ذلك من وجهة نظر سياسية، ولكن لا يقلّل ذلك من مكانته الدينية.”

ويوضح السيد الأمين انه “من المهم أن لا يكون في القطاع السياسي رجال دين يحكمون الناس بإسم الدين، فشرعية الحاكم هي في اختيار الناس له، وليس بسبب موقعة الديني، أما فيما يتعلق بما يسمى التقليد، أي أخذ الأحكام عن فقيه محدّد، فإن هذا الأمر لا بدّ منه، ذلك لأن جميع أفراد المجتمع لا يمكنهم أن يكونوا في موقع الاجتهاد الديني، وهذا يشبه تماماً دور الاختصاص، حيث يأخذ الناس المعلومات والنصائح الطبية من طبيب مختص وكذلك في مرجعيات العلوم، كالعلوم التطبيقية، فإن لها أيضاً اختصاصيين، وهكذا فإن التنوع بين أفراد المجتمع بالاختصاصات يكمل بعضها بعضاً، ولا يستثنى من ذلك العلوم الدينية نفسها”.

وعن التزام كل متديّن تقليد رجل دين مجتهد واحد، يلحظ السيد الأمين نقطة هي موضع خلاق بين الفقهاء حول هل يجب الالتزام بتقليد فقيه محدد لا يتم الرجوع إلا إليه، أم يجوز للمسلم أن يأخذ أحكام دينية من فقهاء متعددين؟

يجيب السيد الأمين “نحن نميل إلى هذا الرأي الأخير، ونستند في ذلك إلى اعتبارات كثيرة وأهمها الحديث المروي عن الرسول(ص) “اختلاف أمتي رحمة”، وهذا يعني بالمحصّلة أن المؤمن تنفتح أمامه خيارات متعددة عندما يتاح له أن يبعّض مرجعيته وأن يأخذ من الأحكام ما يناسبه.

ويختم السيد الأمين مؤكدا “أن هذا دليلا على سعة الإسلام وعلى سماحته وعلى دور الإسلام في تشريع التعدّد، فالتعدّد مظهر من مظاهر الاجتماعي الإنساني فلماذا لا يكون مظهراً من مظاهر الاجتماعي الديني.”