ما حصل في اليومين الماضيين في السماء السورية, ليس مجرّد غارات, كادت في الآونة الأخيرة أن تصبح روتينية, بقدر ما يُعتبر بمثابة مرحلة جديدة من المواجهة الحامية بين إيران وحلفائها في سوريا وإسرائيل, تنذر بتطورات بالغة الخطورة على الأمن والسلام الهش في المنطقة, وقد تؤدي في حال تكرارها إلى نشوب حرب إقليمية, على الأراضي السورية واللبنانية.
إسقاط طائرة الـ «اف ١٦» الإسرائيلية, يُعتبر رسالة على جانب كبير من الأهمية إلى تل أبيب, تعلن تغيير قواعد اللعبة في الاشتباكات السابقة, والانتقال إلى فصل جديد من فصول الكر والفر, بين إيران والدولة الصهيونية, والذي كان يتم, حتى الأمس القريب بواسطة أطراف ثالثة, مثل «حزب الله» في لبنان, وحركة حماس في غزة.
وإذا وضعنا هذا التطوّر الخطير في سياقه الحدثي واللوجستي, يتبين لنا بوضوح مدى اقتراب الطرفين من المواجهة المباشرة. تل أبيب أعلنت في البداية عن إسقاط طائرة إيرانية بلا طيار فوق المناطق المحتلة, وقامت بالرد على هذا الاختراق الإيراني بغارات مكثفة على المواقع الإيرانية, بما فيها المطار السوري الذي خرجت منه الطائرة, حسب المزاعم الإسرائيلية, إلى جانب تدمير مخازن ومستودعات صواريخ وذخيرة, تعود للقوات الإيرانية و«حزب الله», حسب المزاعم الإسرائيلية.
ولكن نجاح المضادات الجوّية بإسقاط الطائرة الإسرائيلية, شكّل صدمة للقيادة العسكرية الإسرائيلية, التي شككت بأن تكون إيران أدخلت سلاحاً جديداً ومتطوراً إلى الأراضي السورية, قد يُشكّل بداية تمركز متوقع من الجانب الإيراني على مقربة من الحدود الإسرائيلية!
المتابع للتصريحات الإسرائيلية, وما تداوله إعلام العدو الصهيوني, على هامش المزاعم السابقة, لا يستبعد إمكانية لجوء تل أبيب إلى تنفيذ ضربات مركزة, لأهداف مختارة ضد الحرس الثوري الإيراني و«حزب الله», تحت شعار «الحرب الوقائية», خاصة في إصرار إيران وحلفائها على رفض إخلاء المنطقة المحاذية للجولان وصولاً إلى مثلث الحدود السورية - الأردنية - الإسرائيلية.
هذا لا يعني أن المواجهة واقعة حتماً غداً بين الطرفين, ولكن مثل هذا الاحتمال يجب أن لا يغيب عن حسابات لبنان الرسمي, الذي قد يجد نفسه فجأة في دوّامة معركة، البلد غير مهيّأ لخوضها.
كيف يمكن للبنان أن يُواجه أحداثاً على هذا القدر من الخطورة, في ظل هذا الانقسام في مؤسساته الدستورية, واستفحال الخلافات السياسية والشخصية بين مراجع القرار؟
وهل يستطيع لبنان أن يصمد أمام «حرب إقليمية» بهذا الحجم, في حالة عدم الاستقرار السياسي الذي يلفّ العهد الحالي, حتى الآن؟
ومَن قال أن قرار الحرب والسلم, سيبقى في يد الدولة, والقيادات الرسمية والشرعية, وفي مقدمها الجيش اللبناني, في حال اندلاع المواجهة الحربية فجأة؟
الواقع أن مثل هذه الاحتمالات تتطلب حالة من الاستنفار الوطني الشامل, يتم من خلالها طيّ صفحة الخلافات بين أهل الحكم أولاً, والابتعاد عن سياسات الحرتقات والكيديات التي تمارسها بعض أطراف السلطة ضد معارضيها, عشية الانتخابات النيابية, وإعطاء الأولوية المطلقة لتعزيز قبضة الدولة على الأمن في الداخل, وعلى الاحتفاظ بالمبادرة بيد الجيش على الحدود الجنوبية.
ولا ندري إذا كانت وزارة الخارجية, بوضعها الراهن, قادرة على تنظيم حملة ديبلوماسية واسعة, لتجييش التأييد العربي والدولي للبنان, قبل تعرضه لاعتداء إسرائيلي جديد, وذلك بدءاً من تنقية الأجواء مع الدول العربية, وخاصة المملكة العربية السعودية, ودول مجلس التعاون, وصولاً إلى عواصم القرار الدولي, طبعاً باستثناء واشنطن, التي يُجهر رئيسها بمناسبة وبلا مناسبة, بدعمه الصارخ للكيان الإسرائيلي.
مثل هذه الحملة تتطلب تفرّغ وزير الخارجية الهمّام لهذه القضية الوطنية, بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيّقة, وعن كل ما يسيء إلى تفاهمات أهل الحكم!
الأخطار المحدقة بالبلد ليست خافية على أحد, والمطلوب تحرّك وطني بمستوى الخطر الذي يتهدد الوطن!