لا يبدو أنّ المواجهة الحاصلة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ومعه رئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل من جهة، ورئيس المجلس النيابي نبيه برّي من جهة ثانية ستشهد حلولاً قريبة، لا بل على العكس
 

كان يُمكن لما حصل أن ينتهي سريعاً من خلال عبارات وديّة، «والوقوف على الخاطر» كما درَجت عليه التقاليد اللبنانية، تماماً كما حصل مع تسريب كلام النائب ستريدا جعجع خلال وجودها في أوستراليا بحقّ أهل زغرتا، وهو كلام أكثر شدّةً وقساوة.

لكنّ الفارق أنّ المناخ السياسي الملائم سهّل على جعجع إعلان الاعتذار وسمح للنائب سليمان فرنجية بقبوله وطيّ الصفحة. إلّا أن المسألة بين عون وبرّي مختلفة حيث يختلط الشخصي بالسياسة وبالحسابات المستقبَلية، وجاءت النتيجة أفقاً مقفلاً على الحلول وتلويحاً برفع مستوى التحدّي، وبالتالي الذهاب في المواجهة إلى النهاية.

من الآن وصاعداً، من السذاجة التفكير في حلول على قياس الحادثة التي أشعَلت فتيل المواجهة، أو بكلام أوضح على قياس ضيّق. كان ذلك ممكناً حتى صدور بيان «التيار الوطني الحر» بعد اجتماعه الاستثنائي، ولكن بعد ذلك دخلت السياسة وحسابات الساحات واحتمالات المستقبل دائرة أوسع، ما يَجعل الحلول في حاجة الى بروتوكول سياسي جديد أو ربّما ركائز تعاون سياسية جديدة.

وعلى رغم الكلام الذي يدور همساً حول أنّ «انتفاضة» باسيل تحمل خلفيات خارجية، وبالتالي تنفيذ تموضع سياسي جديد، إلّا أنّ هذه التقديرات تفتقد الى الحدّ الأدنى من الواقعيّة والحسابات الجدّية.

وعلى رغم أنّ أصحاب هذه الهمسات يذهبون في تحليلهم الى جملة الإشارات التي سبقت ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مقابلة باسيل مع قناة «الميادين» وكلامه عن إيديولوجية النزاع مع إسرائيل، إضافة الى مقدمة تلفزيون «او تي. في» والتي تضمّنت رداً «فجّّاً» على الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله ولو من دون تسميته، إلّا أنّ العارفين بالأمور يضعونها في سياق آخر له علاقة بافتقاد التنظيم في مكان وبالخطأ في التعبير في مكان آخر، أكثر منه وجود حركة منسّقة ومبرمجة وتخضع لمراحل تنفيذية بوشر تطبيقُها.

وعلى رغم ارتكاب حركة «أمل» خطأً التّوجه الى المقرّ العام لـ»التيار الوطني الحر» في عقر مناطق النفوذ المسيحي، ما فتح أبوابَ تحويل النزاع من سياسي الى طائفي، إلّا أنّ باسيل بقيَ يفتقد الى الدعم السياسي المسيحي، كما الإسلامي، في معركته المفتوحة ضد بري.

ومواقف رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع ورئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل تعقيباً على تظاهرة سن الفيل جاءتا بمثابة التشديد على إبقاء التمايز، او حتى التباعد السياسي، مع «التيار الوطني الحر»، فيما كان تيار «المردة» الى جانب برّي، والأهم كان صمت بكركي المطبَق على رغم دخول المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على الخط.

حتى الرئيس سعد الحريري، وهو صاحب المشروع السياسي والانتخابي المشترَك مع العهد آثر التّراجع خطوات الى الوراء، ونأى بنفسه عن النزاع الدائر، فيما النائب وليد جنبلاط يقف بلا تردّد خلف بري وهو ما أعلنه الوزير مروان حمادة أمس.

أمّا «حزب الله» فلم يتردّد في احتضان بري، وهو يُدرك أنّ المفاضلة صعبة، ولكنه إذا حُشر ليختار بين حليف استراتيجي ووحدة بيئته الشيعية، فهو سيختار الثانية لأنه يُدرك تمام الإدراك أنّ أيّ تشقّق شيعي - شيعي سيعني الدخول الى غرفة نومه والعبث بها، وبالتالي تسهيل ضربه من الداخل.

لكنّ «التيار الوطني الحر» يُمسك بورقة قويّة. فهو لا يزال يشكّل الغطاءَ المسيحي لـ«حزب الله»، وهذا الغطاء أصبح أقوى وأهمّ مع وجود العماد ميشال عون في قصر بعبدا. ووسط ما يحصل في المنطقة والمشاريع المطروحة والضغوط المتصاعدة فإنّ الحاجة الى هذا الغطاء ستتضاعف وستزيد.

هي حشرة لـ«حزب الله» بلا أدنى شك ولو أنّ أولويّته تبقى في صون «غرفة نومه». وكان لافتاً في هذا الإطار عدم حصول تحرّكات وتظاهرات في الضاحية الجنوبية، وهو ما فسّره البعض بأنه أتى بطلب من «حزب الله».

حتى الآن لا يبدو أنّ هنالك مكاناً لتسويات أو لوساطات جدّية لرأب الصدع، وكأنّ الجميع ينتظر أن تنتهي جولة الكباش الحاصلة وأن تستنفد الازمة كل أوراقها للبدء بوضع سكة التفاوض. فالاقتراحات التي وُضعت، رُفضت كلها. وحتى الآن ليس في الأفق لا جلسة حكومية ولا جلسة لمجلس النواب ايضاً، لكنّ السؤال الأهم: الى متى ستطول هذه الأزمة؟ وأيُّ مدى يمكن أن تصل اليه؟

في الشارع بلغت الامور ذروتها، والاتّجاه الى سَحب التوتر منه خصوصاً مع إرسال السفارات الأجنبية إشارات الاستياء إزاء تعريض الاستقرار الأمني الهشّ في لبنان الى مخاطر غير محسوبة. وفي مرحلة لاحقة ستُرسل العواصم الغربية إشارات القلق إزاء تعريض الاستقرار السياسي بدوره للزعزعة، وهي الحسابات التي يبني وفقها كلا الطرفين سياسة عضّ الأصابع: فمَن الذي سيقول «آخ» أولاً؟

والسؤال الأهم ما هو تأثير النزاع الحاصل على الاستحقاق النيابي والذي أصبح ضاغطاً؟

في المبدأ لم يدخل بعد إتمامُ هذا الاستحقاق دائرة الخطر، لكنّ حسابات التحالفات بدأت تتبدّل.

فمثلاً فإنّ «القوات اللبنانية»، وربما حزب الكتائب، يتمسّكان بالعلاقة مع برّي كون نزاعهما هو مع «حزب الله»، وبالتالي يحرصان على عدم الخلط في موقفهما تحت وطأة أحداث الشارع الذي كاد أن يذهب الى مواجهة طائفية.

أمّا «التيار الوطني الحر» فهو يتمسّك بعلاقته مع «حزب الله»، وهو ما جدّد تأكيدَه أخيراً في أكثر من اسلوب، في مواجهة برّي. وقبل اندلاع هذه الأزمة، كانت المفاوضات الانتخابية ناشطة بين «القوات» و«التيار»، لكنّها عادت وتجمّدت بدءاً من السبت الماضي. فالمستجدّات تعني كثيراً وتضع «التيار الوطني الحر» في موقف مختلف، خصوصاً مع سقوط ورقة تحالفه مع الثنائي الشيعي على الأقل حتى الآن.

أمّا على جبهة «القوات» و«المستقبل»، فقد استمرّت المفاوضات الانتخابية وهي تكاد تصل الى خواتيمها التي تتلخّص بحصول تحالفات انتخابية في بعض الدوائر، فيما الدوائر الأخرى لا تزال في حاجة لاستكمال الصورة. وسيستفيد حزب «القوات» ممّا جرى إنتخابياً من خلال محاولة إجراء تبادل خدمات بالحدّ الأدنى الممكن مع حركة «أمل» في دوائر محدّدة.

في المقابل، فإنّ الفريق الشيعي الذي اتّفق انتخابياً من خلال تقاسم المناطق والمقاعد النيابية، فهو وضَع في أوّل بنود استراتيجيته الإنتخابية تحقيق الفوز الكامل في كلّ المقاعد الشيعية وهو سيُنفّذ هذا البند.

وهذا يعني جملة أمور، أبرزها:


1 - إعطاء ضمان كامل لرئيس مجلس النواب بأنه سيكون المرشح الوحيد لرئاسة المجلس النيابي المقبل.


2 - إسقاط أيّ رهان على ضرب «الفيتو» الشيعي في أيّ قرارات مستقبَلية، وخصوصاً في التشكيلات الحكومية وتحت عنوان المحافظة على الميثاقية، وهو ما درج على تطبيقه خلال السنوات الماضية.


3 - الانطلاق من نواة الكتلة الشيعية الصلبة الى دائرة النواب الحلفاء الأوسع، بحيث إذا اهتزّ موقف أحد الأفرقاء الحلفاء يبقى احتكار التمثيل الشيعي هو الضمان.

لكن من الخطأ اقتصار القراءة عند هذا الجانب فقط. فلأننا في لبنان حيث المفاجآت غير المحسوبة واردة، لا بد من الأخذ في الحسبان احتمال انزلاق الموقف، ما يعني تهديد إجراء الاستحقاق النيابي. هذا الاحتمال لا يزال ضعيفاً حتى الآن، لكن لا بد من وضعه في الحسبان.

فحديث برّي عن تهديد «إتفاق الطائف» والإخلال بتطبيقه يفتح باب الاستنتاج الى أنّ أيّ اتّجاه لاستفحال الأزمة قد يُهدّد ليس فقط الاستحقاق النيابي، وإنّما قد يفتح الباب أمام إعادة وضع «اتّفاق الطائف» على الطاولة في لحظة تشهد فيها سوريا ترتيب صورة الدولة المستقبَليّة.
هذا الاحتمال لا يزال بعيداً وضعيفاً وحظوظه مرهونة بتطوّر الأحداث.

ما من شك في أنّ أحد أبرز نقاط قوة «التيار الوطني الحر» أنّ مؤسّسَه هو رئيس البلاد، وأنّه القوة الشعبية الأكبر عند المسيحيّين. ولكنه في الوقت نفسه يفتقد الى الحلفاء في معركته حيث بدا وحيداً، إضافة الى غيابه الكامل عن الساحة الإعلامية وافتقاده الى تسويق وجهة نظره، وأيضاً الى «تغيّب» كثير من وجوهه ورموزه السياسية، بعضهم لحساباته الانتخابية، والبعض الآخر لعدم «خربطة» علاقته مع رئيس المجلس النيابي والوزارات التي يُمسك بها، وهو ما يُفسّر وجود باسيل بمفرده في المقرّ العام لـ«التيار» بعد الاعتداء عليه.