دخل لبنان واحدةً من أسوأ أزماته التي تُنْذِر بتداعياتٍ ذات طبيعة سياسية وطائفية والتي تتشابك في خلفياتها الاعتبارات الشخصية والانتخابية والخلافات حول كيفية إدارة السلطة والصلاحيات، وسط خشيةٍ من انفلات «كوابحها» مع تَمادي مَظاهرها وتَوالي «الموج العالي» بين أطرافها، فيما البلاد محاصرَةٌ بـ «بحرٍ هائج» في المنطقة التي لم تسترح «عواصفها» بعد.
وشكّل الشريط المصوّر والصوتي الذي سُرّب لرئيس «التيار الوطني الحر» (حزب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون) وزير الخارجية جبران باسيل وهو يصف فيه (خلال لقاء في إحدى بلدات البترون) رئيس مجلس النواب نبيه بري بـ «البلطجي» ويتوعّد بأن «حلّها نحنا نكسّرلو راسو ومش هوي يكسّرلنا راسنا» و«كل هذه البرعطة لنبيه بري لأنه فهم انه لم يعد يستفيد منا في الدولة»، شرارة تفجيرٍ لـ «برميل الأزمة» التي ارتفعتْ حماوتُها تباعاً على مدى الأسابيع الماضية بين عون وبري على جبهة مرسوم منْح سنة أقدمية لضباط دورة 1994 في الجيش قبل أن «تتناسل» لتطول عناوين سياسية ودستورية ذات صلة بنظام الطائف وتوازناته الطائفية.
وعكستْ مواقف «السقف الأعلى» لفريق بري، الوزاري والنيابي والحزبي (حركة أمل) والتي لاقاها «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، حال احتقان غير مسبوقة في مواجهة رئيس الجمهورية وفريقه بدتْ في سباقٍ مع محاولاتِ لجْم «التوتر العالي» سريعاً والحؤول دون ترجمته على الأرض التي سادها «غليان» في صفوف مناصري رئيس البرلمان الذين نفّذوا ابتداءً من عصر أمس تجمعات في الشارع ولا سيما في بيروت (مار الياس وبشارة الخوري وسليم سلام) وفي الضاحية الجنوبية وأمام مقرّ «الشيعي الأعلى»، تخلّلها قطع طرق بالإطارات المشتعلة وذلك رفضاً للتطاول على بري، بعدما كانت مواقع التواصل «انفجرت» بتعليقاتٍ من «العيار الأثقل» ضدّ رئيس «التيار الحر» من دون أن توفّر رئاسة الجمهورية.
ولم يكن عابراً أن هذه «الحرب المؤجّلة» بين «التيار الحر» وحركة «أمل» والتي كانت لها «جولات تمهيدية» عدة منذ عودة العماد عون من منفاه الباريسي العام 2005 وكان آخرها إبان الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فضّل فيها رئيس البرلمان «الورقة البيضاء» على «الجنرال»، سرعان ما تردّد صداها في ابيدجان التي شهدت تحركاً امس في اتجاه السفارة اللبنانية أوصل رسالة بأن الوزير باسيل «غير مرحّب به» في ساحل العاج، وذلك قبل 3 أيام من موعد مؤتمر الطاقة الاغترابية الذي جاء هجوم رئيس «التيار الحر» على رئيس البرلمان على خلفيته لاتهامه الأخير بحضّ أبناء الجالية على مقاطعته ربْطاً بـ «أزمة المرسوم» وتتمّاتها السجالية التي كانت أخذت أبعاداً مثيرة في الأيام الأخيرة.
ورغم الاعتذار الضمني الذي سارع باسيل إلى تقديمه (عبر إحدى الصحف) عن وصْفه بري بـ «البلطجي»، فإن هذه الخطوة لم تكن كافية لاحتواء «العاصفة» بعدما أجّجها التسريب الإضافي حول «تكسير رأس» رئيس البرلمان ما استدرج تحركاتٍ عاجلة وأشعل مواقف «نارية».
وفيما شكّل إلغاء عون اجتماع المجلس الأعلى للدفاع خطوة بدت ذات صلة بـ «العصْف» الذي أعقب كلام باسيل (صهر الرئيس)، لم تحمل زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري للقصر الجمهوري بوادر حلّ وشيك للأزمة المتشّعبة، رغم كلام الأخير عن «مبادرة ستكون لي»، مؤكداً وجوب التهدئة «وإن شاء الله تتجه الأمور الى التهدئة والايجابية، فالبلد ليس بحاجة لا إلى تصعيد ولا إلى تأزيم»، ومعلناً «حصل هناك اعتذار من الوزير باسيل. ولندع الأمور عند هذا الحد، ومع الوقت نأمل ان تحصل التهدئة».
ولم يكد الحريري، الذي يتوجّه اليوم الى أنقرة في زيارة يلتقي خلالها كبار المسؤولين، ان ينهي كلامه في القصر الرئاسي حتى جاء الردّ الضمني من مصادر بري بأن «المطلوب من باسيل اعتذار بالطريقة نفسها وعبر الوسيلة نفسها التي نُقل كلامه من خلالها أي بالصوت والصورة وعلى الشاشات»، في إشارة الى عدم الاكتفاء باعتذاره الضمني.
وأرفق رئيس البرلمان تَشدُّده ببيان شديد اللهجة صدر عن هيئة الرئاسة في حركة «أمل» أكد أن «ما جرى تداوله من كلام صادر عن باسيل يحمل أبعاداً خطيرة تهدد وحدة البلد واستقراره وأمنه»، مشيراً إلى أن «كلام باسيل دعوة مفتوحة لفتنةٍ ستأخذ في طريقها كل ما أُنجز على مستوى البلد وتذكرنا بحرب التحرير والالغاء وويلاتها»، وداعياً مَن يعنيهم الأمر إلى «كبح جماح الرؤوس الحامية والواهمة وتدارك الأمور قبل فوات الأوان».
ولم يكن أقل تعبيراً الموقف العالي النبرة من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي حذّر من «النهج المتبع في إثارة الأجواء الطائفية والمذهبية وتناول الرمز الوطني الكبير دولة الرئيس نبيه بري...، فهذا الاستهداف يأخذ البلاد الى فتنة داخلية لأهداف شخصية»، مُحمّلاً «العهد مسؤولية هذا النهج المستنكر والمدان، وهو مطالب بإعادة الأمور الى نصابها ووضع حد لهذا الاستهتار واللامسؤولية في إدارة شؤون الدولة».
وهذا «التصويب» على الرئيس عون كما باسيل، كان سمة مشتركة في غالبية مواقف فريق بري لا سيما وزير المال علي حسن خليل الذي ذهب الى اعتبار ان «الخطوط الحمر سقطت»، ‏و«إنهم يأخذون البلد الى مواجهة لا نريدها. لكننا جاهزون لها أياً يكن شكلها... وكنا نعتقد أن ‏رئيس الجمهورية في منأى عما يدور. لكن ما جرى يظهر أنه طرف»، مضيفاً: «إذا كان هناك من يسمع فليسمع أن صهره المفضل قليل الأدب ووضيع وكلامه ليس تسريباً بل هو خطاب الانحطاط ونعيق الطائفيين أقزام السياسة».
وعلى «الموجة» نفسها، وفيما ردّ النائب علي بزي قائلاً «وبالجرم المشهود … متلبّس بالصوت والصورة … بذاءة، نذالة، وانحطاطاً… لم يصل العمالقة الى نعل حذاء قامة دولة الرئيس نبيه بري …. فكيف بالأقزام وصعاليك الحقد والتطرف والفتنة»، لاقاه النائب علي خريس معلناً «ان رئيس التيار الحر وَلَد بحاجة إلى تربية وعلى معلّمو يربيه... ومَن يتطاول على بري هو قزم».
وفي حين التزم غالبية قادة «التيار الحر» الصمت، خرجتْ كريمة رئيس الجمهورية ومستشارته السيدة كلودين عون روكز لتعلن في تغريدة أرفقتْها بصورة تجمع شعاريْ «التيار الحر» وحركة «أمل»: «لو كل كلام المجالس الخاصة بينّشر كانت الحرب ولعت من زمان...»، قبل ان يعلن وزير العدل سليم جريصاتي «إن من يزرع الريح يحصد العاصفة. منذ البداية، نادى الرئيس بالدستور والقانون والقضاء حَكَماً، فرفضوا وذهبوا الى أماكن أخرى، حيث الغوغاء والغرائز فالشارع...».
ومع بلوغ أزمة عون - بري هذا المستوى المتفجّر، بدا أن أي مسار للحلّ سيكون محكوماً بمعالجة قضية مرسوم الأقدمية كما بالاعتذار العلني لباسيل، وهو الأمر الذي يجعل موقف الرئاسة الاولى تحت المجهر بعدما كان عون اعتبر أن صفحة المرسوم طويتْ في حين ان الردود على وزير الخارجية وضعتْه في مرمى التشهير والتخوين.
وفي ظل تصاعد الأزمة، أصدر «حزب الله» بياناً، مساء أمس، أعلن فيه «رفضه القاطع» لـ «الكلام الذي تعرض بالإساءة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري شكلاً ومضموناً»، ورفض «الإساءة له من أي طرف كان»، مؤكداً «تقديرنا العالي واحترامنا الكبير لشخص الرئيس نبيه بري ومقامه، وهذا ما كان يعبّر عنه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في خطاباته ومواقفه».
واضاف الحزب «إن هذه اللغة لا تبني دولة ولا تأتي بإصلاح بل تخلق المزيد من الأزمات وتفرق الصف وتمزق الشمل وتأخذ البلد إلى مخاطر هو بغنى عنها»، داعياً إلى المسارعة بمعالجة هذا الوضع القائم بأعلى درجة من الحكمة والمسؤولية».
من جهته، يحاول الحريري عبر فريقه منْع تمدُّد هذا «الحريق» الى التحضيرات للمؤتمرات الدولية الثلاث لدعم لبنان والتي كانت مساء امس محور القمة بين الرئيس اللبناني ونظيره الألماني فرانك شتانماير الذي وصل بعد الظهر الى بيروت في زيارة تستمر حتى يوم غد.