تونس بين ديمقراطية ضائعة وثورة ثانية مستحيلة وطبقة سياسية منفصلة عن المواطنين
 

يبرز تصاعد الاحتجاج الاجتماعي في تونس ضد إجراءات التقشف هشاشة التوافق الديمقراطي في هذا البلد، لكن تنقصه الرافعة السياسية لإحداث تغيير في العمق.

وبحسب المحلل السياسي التونسي سليم الخراط “إذا كان المحرك هذه السنة هو قانون المالية الذي نص على زيادة في الضرائب بعد سنة شهدت ارتفاعا كبيرا في الأسعار، فإن عمق المطالب يبقى هو ذاته منذ 2011”.

 

شعارات الثورة مستمرة

 

يطالب المحتجون قبل كل شيء بالكرامة والعمل، وهما من شعارات الثورة التي أسقطت النظام الأسبق في 2011 تحت شعار “عمل، حرية، كرامة وطنية”.

ويضيف الخراط أن “الفئات نفسها تدافع عن هذه المطالب، وهم شبان عاطلون عن العمل لا يجدون في معظم الأحيان وسائل أخرى للتعبير عن مطالبهم في غياب شبكات تشاور رسمية خصوصا في المستوى المحلي”.

لكن لئن كانت الصدامات تحدث في السابق بعد تظاهرات سلمية عموما “فإن تفجّر العنف جاء فوريا” في بداية هذه السنة، بحسب المحلل السيسي التونسي حمزة المدب.

وأوضح هذا الباحث، الذي يعمل مع معهد العلاقات الدولية تشاتام هاوس بلندن، أن ذلك مرده “غضب اجتماعي قوي جدا” و”طبقة سياسية منفصلة أكثر فأكثر عن المواطنين”.

ومع أنه من الصعب قياس درجة التعبئة كميّا لمقارنة الاضطرابات الحالية بالموجة الأخيرة في 2016، فإنه يبدو أن التوتر تراجع بشكل أسرع. ويبدو أنه تم استبعاد إعلان حظر تجول كالذي أعلن في بداية 2016، خصوصا مع عودة الهدوء منذ مساء الخميس.

وحملة “فاش نستناو؟” (ماذا ننتظر؟) التي أسسها ناشطون وعناصر من المجتمع المدني في بداية 2018 ضد قانون المالية (الموازنة)، قريبة من الجبهة الشعبية المعارضة اليسارية. لكن المدب لاحظ أنه “ليس واقعيا الاعتقاد بأن هذه الحملة تقف وراء موجة الاحتجاج الحالية”.

فالتجمّعات النهارية التي تدعو لها الحملة قليلة العدد. والكثير من المحتجين الذين خاب أملهم من الوعود التي لم تتحقق إثر الاحتجاجات السابقة، يرفضون كافة الأحزاب السياسية بما فيها الجبهة الشعبية. وتبدو التعبئة قوية خصوصا في المساء والليل.

وأضاف المدب أن “الكثير من التحركات عفوية وتنجم عن غضب حقيقي لشباب يائس”، وهي تضم خصوصا “عناصر غير مسيّسة تريد أن تقاتل وعناصر مسيّسة تسعى للتصعيد والتشدد وعناصر إجرامية تغتنم فرصة الاضطرابات” للنهب والسطو.

بيد أنه أشار إلى أن احتجاج الشباب المُفقّر “ليس له إلا القليل من الرافعات السياسية” خصوصا وأنه لا يوجد حزب أو نقابة ترغب في إسقاط الحكومة مع اقتراب موعد الانتخابات البلدية (2018) والتشريعية والرئاسية (2019)”.

 

سيناريو المستقبل

 

يرى حمزة المدب أنه في غياب رافعة سياسية، فإن هذا التحرك “لن يكون له أي تأثير على النظام السياسي واستقرار البلاد” والأرجح أنه سيتلاشى مع الاحتفالات بالذكرى السابعة للثورة التونسية الأحد.

ورأى أنه “إذا تعفّن الوضع بعد ذلك، يمكن أن يحدث تحوير حكومي يقدم في شكل تنازل”. وكان ذلك هو الرد المفضل مرارا على احتجاجات اجتماعية في السنوات السبع الأخيرة في تونس.

لكن الخراط حذّر من أن التغيير الحكومي “يؤجل المشكلات ويراكم الإحباط وكلما تأخر تقديم حلول لمطالب مناطق وفئات مهمشة، كانت الاحتجاجات أشد تفجّرا”.

ويمكن أن تؤدي الاحتجاجات إلى تضييق من السلطات كما يشير إليه الرد الأمني قبل كل شيء من الحكومة. وحذر مركز الأزمات الدولية الخميس من “نزعة” العودة إلى التسلط.

غير أن المدب أكد أنه رغم تنامي الطابع الرئاسي للنظام والمتنافي مع روح دستور 2014، فإن هذا النزوع للتسلط “لا يمكن تجسيده” بسبب توازن السلطات داخل النظام.

وأوضح أن تونس “في وضع غير مريح بالمرة بين ديمقراطية مفلسة وثورة ثانية مستحيلة”، وتسعى كل سلطة مضادة إلى الحفاظ على مكاسبها.