تداخل غريب وعجيب: سلطة في إيران تحتل بلداً آخر، لا بل أربعة بلدان عربية، دفاعاً عن سلطات أخرى ومن أجل قمـــع ثورات الشعوب، والآن تخرج جماهير تلك السلطة لتقول كلمتها في الشوارع، حيث تعرف تماماً ماذا ينتظرها من قمع.

ليس غريباً أن تتضايق السلطة التركية الراكضة وراء تثبيت أردوغان كزعيم أوحد ووحيد، في سعي صريح لضرب الديموقراطية التي أوصلت أردوغان إلى السلطة، وليس غريباً أيضاً أن يعبّر بشار الأسد عن استيائه وانزعاجه من احتجاجات الشارع الإيراني، فها هو يقتطع ما يريد من جغرافية سورية ومعها ثروات ويبيعها ويرهنها لمصلحة السلطة الإيرانية ومعها طبعاً سلطة بوتين.

على رغم كل هذا السواد في المشهد السياسي العالمي، أتت تظاهرات الشعب الإيراني لتقول إن التاريخ البشري ومهما زورته قوى القهر والاستبداد، لا يمكن أن يسير إلى الأبد كما يريد طغاة العصر.

في قلب كل احتجاج شعبي كسر وتكسير لما يسمى «الأبد»، هذه الكلمة التي سُرقت من الكتب المقدسة ووضعت في خدمة سلطات مستبدة سرقت كل شيء في بلدان هي الأغنى في العالم.

صورة الخامنئي الآن تهتز، حتى لو تم قمع الاحتجاجات حالياً، واهتزاز هذا الأبد القمعي ضرورة من أجل تكسيره وتغييره.

قال القذافي للناس: «من أنتم؟»، وقال بعده بشار الأسد للناس: «أنتم جراثيم». هذا هـــو منطق الطغاة، يتعاملون مع البلد وكأنـــه بلا شعب، كأنه آلة لخدمة جنونهم نحو التسلط.

دروس بالغة التعبير قدمتها تلك التظاهرات للبشرية والتاريخ، ثمنها دم وأرواح تقتل، دروس فكرية وسياسية وأخلاقية تقدمها الناس التي اعتقد الخامنئي أنها طيعة وخانعة.

وإذا تركنا التوقعات والتنبؤات جانباً فإن ما يحدث على الأرض هو مساندة فعلية للأخلاق والخير المتبقي على هذا الكوكب.

في التظاهرات الإيرانية تكسير لتلك الخرافة الأيديولوجية التي بنى عليها النظام الإيراني خطاباته وسياساته وشعاراته، تظاهرات تقول إن الأرض تدور والزمن يدور.

يحتـــاج الإيرانيون الآن إلى مظلة أممية تحميهم، مظلة لا تكتفي بالتصريحات الإعلامية (كما حدث مع السوريين)، إنما تعمل بالليل والنهار في شكل جدي من أجل متابعة تكسير صورة الديكتاتور.

فهل يفعلها ترامب جدياً ويتابع على الأرض وليس على التويتر، حماية الشعب الإيراني من مخالب الحرس الثوري واستخباراته؟

يمكن للعالم أن يفعل الكثير من أجل حماية الشعب هناك، ويجب أن لا تترك الناس وحدها في مواجهة الرصاص والمشانق. يكفي تلك التظاهرات أنها أقلقت راحة الخامنئي ومعه بوتين وبالتأكيد بشار الأسد. يكفيها أنها جرفت في طريقها كذباً عمره عقود، وأحلت محله الصدق، الصدق الذي يرعب السلطات في هذا الشرق.

لا تنتظروا الغد إنما اصنعوه. هذا ما يمكن أن نتعلمه.