يريد النظام الإيراني على التظاهرة بمثلها مبارزاً معارضة ضاق صدرها بالوعود، خصوصاً بعد الاتفاق النووي، وأخذت تميل إلى تفضيل مصلحة المواطنين في الداخل على حضور «امبراطوري» في المنطقة. ولا يهتم النظام الشمولي بالمواطن العادي، فقد تأسست دولة الولي الفقيه على حطام مَنْ سمّتهم شهداء ومَنْ سمّتهم خونة، وبدأت بحل الجيش والإدارة لتنطلق من الصفر وتبني نظاماً يستند إلى ما يظنه حقاً له على الناس بالطاعة، لكونه «يمثل الحق المطلق».

التظاهرات المطلبية المعارضة فرضت نفسها، واضطر الرئيس حسن روحاني إلى الاعتراف بحق الاحتشاد السلمي. لن تعود إيران إلى الوراء على رغم محاكمات ستعقد وأحكام متشددة ستعلن. الحل بتلبية المطالب ومعظمها اقتصادي. يقول الإصلاحيون إن إجراءات الانفراج بدأت، ولكن، هل يستطيع الحكم بإمكاناته المحدودة أن يلبي مطالب المحتجين أم أنه سيضطر إلى تغيير أولويات الإنفاق فيفضل الداخل على الخارج، وتتحول إيران إلى دولة طبيعية لا تنفق كثيراً على امتداداتها «الامبراطورية» ولا تنسب إلى نفسها قيادة دول أو مجتمعات مجاورة؟ وأيضاً: هل يستطيع نظام له خطاب يتعدى إيران أن يكتفي بإيران؟ إذا تخلى عن خطابه فسوف يفقد مبرّر وجوده.

ينسب حكام إيران معظم مسؤولية تظاهرات الاحتجاج إلى تدخلات خارجية، مشيرين إلى تغريدات دونالد ترامب وتعليقات بنيامين نتانياهو: أطلقت طهران منذ عقود شعارها «الموت لأميركا الموت لإسرائيل» فكان طبيعياً من الدولتين رد الفعل المؤيد لإضعاف النظام الإيراني بل لإسقاطه. أما الكلام المنسوب إلى روحاني حول «فرح عربي» بما يحدث فليس موفقاً، الواقع أن العرب قلقون، وهم يفضلون استجابة حكام إيران مطالب المتظاهرين تمهيداً لسلوك جديد يحدّ من هدر المال العام خارج حدود الدولة. يطلب العرب من إيران عدم التدخل في شؤونهم ويتمنون لشعبها الازدهار وهو وحده صاحب الرأي في النظام الذي يحكمه.

الموقف العربي هو نتيجة التخوف من سقوط إيران في الفوضى وليس باتجاه نظام بديل. ويجد مبرره في غموض أحوال إيران ومفاجآتها المفتوحة على الاحتمالات كافة. ما يحدث أكبر مما حدث في العراق وسورية وليبيا. شيء ربما يشبه ثورات بدايات القرن العشرين. الزمن تغير ولا يمكننا تخيل ما سيحدث، فالأنظمة الشمولية كلما طال عمرها يصعب تغييرها أو تعديلها، وتسير الأمور غالباً إلى المأساة. لقد ثبتت استحالة تعايش الثورة والدولة في إدارة واحدة، وإيران مثال على ذلك.

ما ينقص إيران هو حكمة كوريا الجنوبية واليابان، فليس في إمكانها تجديد ظاهرة الاتحاد السوفياتي التي انقصفت بعد سنتين من وفاة الخميني، وليس ممكناً وضع الإسلام في موضع الشيوعية كإيديولوجيا تبتلع دولاً ومجتمعات، لأن الدين لا يسيّس، وقد بدأ المسلمون جميعاً يفهمون ذلك عبر الضحايا وحطام المدن ونفرة سائر البشر منهم. هذا فضلاً عن أن إيران الشيعية لا يحق لها مذهبياً قيادة عالم إسلامي غالبيته الساحقة من أهل السنّة والجماعة.

ولن يجد الحكم الإيراني عوناً من دول حليفة أو صديقة مثل روسيا وتركيا والصين، فلهذه مشاكلها، وبعضها يخضع مثل إيران لعقوبات أميركية أو أوروبية.

خلف التظاهرات المعارضة والمؤيدة، لا يخلو الأمر من صراع بين الإصلاحيين والمحافظين، ومن حضور سياسي داخلي لإيرانيي المهجر الأوروبي والأميركي. حجم هؤلاء كبير في الخارج والداخل ومثل ذلك حجم مؤيدي النظام، والصراع بين الطرفين داخل الحدود وخارجها. وقد ثبت أن الشباب الإيراني الذي يشكل 60 في المئة من عدد السكان يميل إلى المهاجرين، خصوصاً في الولايات المتحدة. ولا يستطيع حكام طهران أن ينكروا فضل اللوبي الإيراني في واشنطن في دفع إدارة باراك أوباما إلى الموافقة على الاتفاق النووي. هؤلاء وطنيون وإن كانوا معارضين لولاية الفقيه، وهم، بقوتهم الناعمة، سيسعون إلى تعديل الحكم في إيران أو تغييره من دون السقوط في الفوضى، وهم لن ييأسوا كما تدل أقوالهم والأفعال.