بعد اتفاق الطائف ظنّ اللبنانيون أن سوريا الراحل حافظ الأسد سوف تساعدهم على تطبيقه بحيث تتحقق المشاركة الفعلية في السلطة بين “الشعوب” كلها، وينتهي “غبن المسلمين” و”خوف المسيحيين” من استحالة الفصل بين الاسلام والعروبة والدولة. لكن سوريا المذكورة نفّذت سياسة لبنانية تخدم مصالحها هي إبقاء خوف الجميع من الجميع، ومصادرة سياسته الخارجية والدفاعية، وسياسته الداخلية التي تقوم على “فرِّق تسُد”، وعلى خلق سياسيّين جُدد ليس لتجديد النظام اللبناني وتحديثه، بل للسيطرة عليه بعد إغراقهم بالمكاسب المعنوية والمادية. وتقوم السياسة المذكورة أيضاً على استفراد لبنان بتغييب العرب عنه مع استمرار تدليعهم و”تَشْتَشَتهم” وإقناعهم بأنهم أصحاب دور في لبنان ونفوذ وممارستهم إياه شكلياً، وفي مقدمهم العربية السعودية. وتقوم ثالثاً على إقناع المجتمع الدولي وتحديداً زعيمته أميركا بأنّ لبنان بحكّامه ومحكوميه ليسوا أصحاب قرار ومقسومين، وأن مصلحته تقتضي التعامل معها بوصفها ولية أمره أو الوصية عليه.

ولعل أبرز دليل على المذكور أعلاه هو اختيار رفيق الحريري رئيساً لحكومة لبنان بعد الانتخابات النيابية عام 1992 المحسوب على السعودية والحامل جنسيتها، وهو أيضاً أفهامه ورئيس الجمهورية وكل اللبنانيين أن اهتمامه وحكومته يجب أن يقتصر على الاقتصاد وإعادة الإعمار ويبتعد عن السياسة داخلياً وخارجياً. وازدادت راحة السنّة عندما نجح الحريري في مساعدة سوريا سعودياً وعربياً ودولياً بحيث أصبح “وزير خارجيتها” الفعلي. وخلق ذلك نوعاً من التوازن بينهم وبين الشيعة “أمل” الذين اعتمد عليهم الأسد الراحل، و”حزب الله” الذي صار حليفاً موثوقاً له بعد شمول تحالفه الاقليمي مع ايران الاسلامية لبنان في أعقاب توزيع أدوار بين الاثنين خدم دمشق وطهران معاً. ورغم ذلك لم تستطع سوريا احتمال الحريري الأب لأنه باتصالاته الخارجية ونفوذه الشعبي اللبناني والسوري صار يشكل خطراً على النظام، فبدأت تحاربه بشدّة منذ تسلّم الأسد الابن مقاليد الحكم. والبقية معروفة. استشهد الحريري وأُجبرت سوريا على الخروج من لبنان لكن الشيعة، ورغم الزخم الدولي المعارض لسوريا نجحوا عبر ثنائية “أمل” و”حزب الله” في منع “ثورة الأرز” السنّية – المسيحية – الدرزية من تحقيق أهدافها. ورافق ذلك استشراس حلفاء دمشق وطهران في لبنان الداخل وضد إسرائيل، وضعف حماسة المجتمع الدولي للبنان، ثم بدء الربيع العربي وثوراته وحروبه الأهلية والمذهبية وبروز تيارات التكفير حتى العنف، وضعف الأداء “السيادي” الداخلي عند السنّة، وانقسام المسيحيين بين هؤلاء والشيعة، واتخاذ الدروز موقفاً وسطياً هدفه الأساسي المحافظة على الطائفة وتلافي الاقتتال الداخلي. طبعاً لن يستطيع الرئيس الحريري الابن تكرار تجربة والده الناجحة في استعادة حد أدنى من التوازن بين السنّة والشيعة اللبنانيين. لكنه سيحاول بمساعدة حليفيه الجديدين المتحالفين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” ترسيخ الاستقرار الداخلي وإعادة التوازن وإن في حده الأدنى، بمساعدة فرنسا ايمانويل ماكرون وسعودية ولي العهد محمد بن سلمان. لكن نجاح الأولى يحتاج الى مساعدة فعلية أميركية ودولية لأنها لا تستطيع أن تقوم إلا بدور الوسيط لاعتبارات معروفة كثيرة، والى تنفيذ لبنان سياسة النأي بالنفس فعلاً لا قولاً الواردة مع أمور أخرى في البيان الذي أصدرته “مجموعة الدعم الدولية للبنان” عقب اجتماعها في باريس أخيراً. ويعني ذلك عدم اقتناع بما ورد في “البيان الحكومي” الذي أعاد الحريري عن استقالته “القسرية” وربما بنية المعنيين به تطبيقاً وحلفائهم. أما نجاح الثانية فيحتاج الى الأمر نفسه. والمعلومات المتوافرة عند غير متابع جدّي عربي وأجنبي تشير الى أن رئيس الحكومة سـ”يُدعى” (ولا يُستدعى) الى المملكة وسيسمع كلاماً طيباً واستعدادات جدية للمساعدة شرط أن ينفّذ ما طلبته “مجموعة الدعم” المُشار إليها. لكنه سيسمع في الوقت نفسه أن إخفاقه في ذلك، لعدم رغبة أو لعجز، سيدفع الملك وولي عهده الى “التشطيب” على لبنان والى معاقبته بوسائل عدة، قد تكون إحداها الاستغناء عن لبنانيين كثيرين يعملون في بلادهما أو ربما في الخليج. وقيل في هذا المجال أن طلبات رسمية قدّمت الى مؤسسات كثيرة مهمة لوضع جداول بالذين يمكن أو يجب الاستغناء عنهم، وأن بحثاً في البدلاء قد بدأ، ويرجح أن يكونوا هنوداً وباكستانيين.

ما تأثير ذلك في حال صحته وحصوله على لبنان؟ وهل العصر الشيعي فيه “عيّيش”؟ وماذا ستفعل شعوبه المنقسمة بين السعودية وإيران؟ وماذا ستفعل الاثنتان؟