فرضت أزمة مرسوم ترقيات دورة 1994 والتي انفجرت على نطاق علني، نيابي - رئاسي، وتحديداً بين الرئيسين ميشال عون ونبيه برّي، الأمر الذي خرج عن نطاق السيطرة، واحدث أسئلة مقلقة، ليس حول الاستقرار أو مستقبل التسوية، بل حول الاجندات التي تنتظر البلاد، في العام المقبل، فضلاً عن الترقيات في المؤسسات الأمنية وإمكانية السير بانتظام في جلسات الحكومة، فضلاً عن التشريع المتعلق بتمديد المهل امام المغتربين للاقتراع في الانتخابات النيابية. أبعد، مما أعلنه الرئيس برّي في لقائه الصحفي، الرد الذي جاء على لسان وزير العدل سليم جريصاتي، والذي اعتبر ان جميع الوزراء، هم وزراء رئيس الجمهورية، متجاهلاً عن حماسة أو عن قصد، أو عدم انتباه ان لبنان يعيش اليوم في ظل دستور الطائف، وليس دستور العام 1943.. فالدستور يتحدث عن حكومة ورئيس حكومة، ولا شأن لرئيس الجمهورية لعمل الحكومة أو الوزراء، ما خلا الصلاحيات محددة في المادة 53 من الدستور. ومن الثابت ان المادة 54 هي التي فجرت الأزمة بين بعبدا وعين التينة، فالثانية تتمسك بالنص: مقررات رئيس الجمهورية يجب ان يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصون، ما خلا مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة. يتمسك الرئيس برّي بتوقيع وزير المال علي حسن خليل على مرسوم ترقية الضباط، وهو لا ينازع في ما إذا كان لديهم حق بذلك أم لا.. في حين لا يرى الرئيس عون موجباً لذلك، لأن لا أعباء مالية تترتب على مرسوم الاقدمية.. وبصرف النظر عن الجانب المتعلق بالحق في الموضوع، والجهة التي يتعين مراجعتها لاقراره، أو البت بالنزاع حوله، فالمسألة الآن، تتعلق بدستورية المرسوم أم لا، ومسألة الولاءات في إدارات الدولة ووزراتها، وصيغة «الترويكا» تفاهماً أو خلافاً.. النفق وفي تقدير مصادر رسمية متابعة للموضوع ان مشكلة مرسوم ضباط دورة العام 1994 دخلت نفقاً مجهول النهاية، بعد تحول الخلاف بين الرئيسين عون وبري إلى سجال اعلامي مباشر بينهما شخصياً على أمور دستورية وقانونية واجرائية، ولا يبدو انه سيكون لها حل في الأيام القليلة المقبلة، قبل حلول العام الجديد، بانتظار عودة وزير المال علي حسن خليل من الخارج، والذي يفترض ان يكون عاد ليلاً، لمعرفة الخطوات التي يمكن ان يلجأ إليها، وهل تقع في باب الرد التصعيدي، خصوصاً ما بعد ردّ وزير العدل سليم جريصاتي على ردّ الرئيس برّي، أم التريث للمعالجة، مع ان المصادر السياسية تؤكد ان المشكلة أخذت منحى مزعجاً ومضراً، ولا بدّ من تدخل ما لمعالجتها سريعاً، لبت الخلاف أولاً، وثانياً لإعادة انتظام العلاقة الودية التي طبعت المرحلة التي رافقت أزمة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، وما تلاها من تفاهمات داخل الحكومة على أمور كثيرة وكبيرة ليس أقلها إقرار ملف النفط. ومع ذلك، فإن ثمة من يراهن على ان المشكلة بين الرئيسين عون وبري لا بدّ وان تجد حلاً لها عبر وسطاء الخير عاجلاً أم أجلاً، إذ ان ليس من مصلحة الرئيس ان يستمر الخلاف ويكبر وتتدحرج نتائجه وانعكاساته السلبية على كامل الوضع السياسي والإداري والحكومي خاصة، حيث سيتأثر أداء الحكومة على كثير من الأمور الاجرائية الأخرى، وبصورة خاصة في مرحلة التحضير للانتخابات النيابية التي تحتاج إلى عدد من المراسيم والإجراءات والقرارات، وربما أيضاً إلى تعديل في القانون الانتخابي مما يتطلب تفاهماً حكومياً ورئاسياً. الا ان السؤال المطروح هو: من هي المرجعية المحايدة السياسية أو الدستورية أو القانونية التي يمكن ان تبت بالمشكلة، لا سيما بعد قول الرئيس برّي أمس رداً على دعوة الرئيس عون للجوء إلى القضاء: «أذهب إلى القضاء عندما تصبح وزارة العدلية غير منتمية»، واضاف مستطرداً: «الضعيف يذهب إلى القضاء»، وهو يقصد هنا ان القضاء الآن بيد «التيار الوطني الحر»، وبهذا الموقف تفاقمت المشكلة أكثر لأنه يعني عدم الثقة بمرجعية القضاء، على الرغم من توضيحات جريصاتي بأن وزارته هي لكل لبناني وليست منتمية لأي جهة سوى لرئيس الجمهورية حامي الدستور والقضاء. وتؤكد مرجعية دستورية في هذا الصدد ان المجلس الدستوري لا صلاحية له للبت بشرعية أو قانونية المراسيم بل القوانين الصادرة فقط عن مجلس النواب، وان المرجع الصالح القانوني هو مجلس شورى الدولة فقط، وقراراته من حيث المبدأ ملزمة، ولو ان عدداً كبيراً من قراراته لم تحترمها السلطات المعنية لأسباب مختلفة سياسية واجرائية. وبحسب هذه المرجعية، فإن المشكلة هنا حول المرسوم موضع الخلاف هي سياسية تتعلق بتوزيع السلطة، ولا يمكن لأي مرجع قانوني حلها لأنها أكبر واعمق من مسألة مرسوم وتوقيع وزير. وإذا كان القضاء بهذا المعنى غير مؤهل أو غير قادر على معالجة الخلاف السياسي اصلاً، فمن هي المرجعية السياسية الموهلة للتصدي لمشكلة بحجم الخلاف بين الرئيسين غير مرجعية الرئيس الحريري الذي ما يزال يلوذ بالصمت حتى الآن، مع ان الرئيس برّي يأخذ عليه عدم التشاور معه قبل التوقيع على المرسوم موضع الخلاف لربما كان وجدا مخرجاً له قبل تفاقم التوتر بينه وبين الرئيس عون؟ لا جواب حتى الساعة، لكن الرئيس برّي عندما سئل عمّا إذا كان يمكن ان تتأثر علاقته بالرئيس الحريري جرّاء هذا الموضوع، اكتفى بالجواب: «أسألوه». «حزب الله» من جهة ثانية، تؤكد مصادر سياسية مطلعة لـ«اللواء» بأن وساطة «حزب الله» لم تنجح حتى الآن في احتواء الخلاف بين الرئيسين حول المرسوم، لكنها استدركت بأن الحزب لم يتوسط فعلياً، وإنما تمنى على كل من عون وبري عدم التصعيد ومحاولة إيجاد مخرج ملائم لا يحرج أياً منهما، ونقلت عن مقربين من الطرفين طرحاً للحل يقضي بموافقة رئيس المجلس على مرسوم منح اقدمية سنة لضباط دورة 1994 في مقابل تنازل رئيس الجمهورية نهائياً عن مسألة ترقيتهم، وبالتالي فض الخلاف بين الطرفين دون اضطرار أي منهما إلى التراجع عن موقفه. وفي حين لم يعرف بعد مصير هذا الطرح، الا ان المصادر ذاتها جزمت بأن الحزب لن يقبل بزيادة الشرخ بين حلفائه وهو سيسعى بكل جهده لمصالحتهما في وقت قريب جداً، وان كانت عزت في وقت سابق برودة الحزب لحل الخلاف إلى عدم موافقته على تجاوز الرئيس عون لبري في مسألة حسّاسة تعد سابقة دستورية خطيرة وغير مقبولة، بينما كان الأجدى بالرئيس عون التنسيق مع برّي لإيجاد حل بهدوء بعيداً عن تشنيج الأجواء السياسية بينهما. برّي في كل حال فإنه بدا على الرئيس برّي للذين تابعون في لقائه مع الإعلاميين بأنه كان مستاء من تصريحات الرئيس عون في بكركي صبيحة عيد الميلاد، مع انه عندما سئل عنها في اليوم ذاته أجاب سائله: «اليوم عيد وغداً يوم آخر»، وعليه فإنه استدعى الصحافيين عند الثانية من بعد ظهر أمس، للرد على الرئيس عون بذات طريقة الاعتراض في الصحف مع انه غير مستحب، بحسب قوله، مذكراً الرئيس بأنه في لقائه الأسبوعي مع النواب أعلن بالفم الملآن انه ترك معالجة المشكو منه إلى فخامة رئيس الجمهورية، متسائلاً: «انت أنت سياسياً القاضي الأوّل، فلماذا اتى الجواب للاعلام والصحافة عيدية وليس العكس»؟ وفي اللقاء مع الإعلاميين سجل الرئيس برّي أربع ملاحظات على تصريحات عون: 1- قوله ان المرسوم يوقعه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وحدهما، اذن رحمة الله على الطائف وعلى الدستور والعرف ومجلس الوزراء والوزراء، وتقبل التعازي في باحة ساحة المادة 54 من الدستور (التي تنص على انه يجب ان يشترك مع رئيس الجمهورية في توقيع القرارات رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصون ما خلا مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة، اما مرسوم إصدار القوانين فيشترك معه في التوقيع رئيس الحكومة). 2- اما القول: «لدينا مجلس نواب ومجلس وزراء»، فهو قول صحيح، وهذا أحد أسباب الاعتراض، وهنا ذكّر الرئيس بورود اقتراح قانون في موضوع دورة الضباط المذكورة موقعاً من الرئيس عون شخصياً، وتم عرض الاقتراح على الهيئة العامة التي لم توافق عليه وردته إلى اللجان المشتركة وما زال، متسائلاً: لماذا لم تنتظروا ولم يُعرض على مجلس الوزراء، وهرّب في ليل بمرسوم امرد؟ فإذا كان هذا المرسوم قانونياً فلماذا سبق ان اقترح قانون لأجل قوننته، اهكذا تعاون المؤسسات وانت يا فخامة الرئيس راعيها؟ 3- أما القول «لاعبء» مالياً على هذا المرسوم» فلا العبء المالي قائم وحال قدم، ومن قال عكس ذلك فهو مدع للمعرفة بعيداً عنها. 2- واستطراداً، تساءل برّي «وعلى فرض التخوف من عدم توقيع وزير المالية فلماذا لم يوقع وزير الداخلية. واكتفى بتوقيع وزير الدفاع، وهنا تلا برّي أسماء عشرة ضباط من قوى الأمن الداخلي وردت في المرسوم قائلاً: ألا يحق لوزير الداخلية التوقيع على المرسوم. وختم: مرّة جديد يا فخامة الرئيس ، اترك الأمر لحكمتك وقضائك، فالمخفي «أعظم»! جريصاتي وفي حين تستعد بعبدا لتنفيذ تفنيدات عين التينة، ولذا تريثت بالتعليق على كلام الرئيس برّي أمام الإعلاميين، فإن الوزير جريصاتي تولى الرد على الرئيس برّي من باب وصفه بأن وزارة العدل منتمية «للتيار الوطني الحر»، نافياً عنها هذه التهمة، مؤكداً انها منتمية الي كل لبنان، لكنه أوضح ان المرسوم الذي وقعه الرئيسان عون والحريري هو مرسوم داخلي استناداً إلى المادة 47 من قانون الدفاع الوطني، مع ان الفقرة الثالثة من هذه المادة تنص على «تحديد شروط وأصول تعيين الضباط في مختلف علاقات المؤسسات الرئيسة بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الدفاع الوطني بعد استطلاع رأي مجلس شورى الدولة». وأوضح جريصاتي ان أسماء الضباط التي أوردها الرئيس برّي غير واردة في المرسوم بل في مراسيم أخرى للأمن الداخلي لا تزال قيد التوقيع، مشدداً على إن المرسوم هو مرسوم أقدمية لمرحلة تأهيلية، وبالتالي لا يترتب عليها انفاق، إلا ان هذا الانفاق سيأتي وساعتها يأتي توقيع وزير المال. ولفت التى تسمية وزارة العدل بالمنتمية، مفهوم خطير، فالوزارات منتمية للوطن ورمز وحدة الوطن أي رئيس الجمهورية، موضحاً بأن هناك خلطاً بين وزارة العدل والقضاء، ومشيراً إلى ان القضاء هو سلطة دستورية مستقلة، وان الرئيس عون وضع نفسه تحت سقف القانون. وتوجه إلى برّي بالقول: صاحب الحق سلطان وليس ضعيفاً على الاطلاق». عون في بكركي وكان الرئيس عون قد أكد بعد خلوة جمعته مع البطريرك الماروني بشارة الراعي صبيحة عيد الميلاد، حيث شارك في القدّاس الاحتفالي بالمناسبة، ان سنة الاقدمية التي اعطيناها للضباط محقة في الجوهر وفي الأساس، موضحاً بأن المرسوم يوقعه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ولا يعمم، وإذا كان من اعتراض لأحد على ذلك فليتفضل للقضاء، وسأكون مسروراً كرئيس للجمهورية إذا كسر اقضاء قراري، نافياً أن يكون هناك من عبء مالي يترتب على المرسوم لكي يوقعه وزير المال، داعياً كل ذي حق إلى المطالبة بحقه، لا فتاً إلى انه لم يمنع أحداً من المطالبة لا في مجلس الوزراء ولا في مجلس النواب. أما الكلام في الصحف فهو غير مقبول. وأوضحت مصادر بعبدا ان اللقاء مع الراعي كان مناسبة لاجراء جولة أفق سريعة حول عدد من الملفات أبرزها النازحين السوريين والحريات والانتخابات النيابية، فضلاً عن الوضع المسيحي والعلاقات بين الأحزاب المسيحية. أما البطريك الراعي فشدد في عظته على الوحدة الوطنية، مؤكداً ان لبنان الذي يتميز بالتنوع الحزبي والديني والثقافي لا يتحمل التفرد في السلطة واشغال المناصب، ولا الاقصاء لمكون من مكوناته، ولا إلغاء ولا التقييد للحريات العامة التي يقرها الدستور، ولكن ينبغي ضبط هذه الحريات وفقاً لانظمتها والاخلاقية المهنية.