نحو دولة نفطية، خطا لبنان خطوته الرسمية الأولى. وافق مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة على عرض منح حصرية رخصتين بموجب اتفاقيتي استكشاف وإنتاج لائتلافٍ من ثلاث شركات "توتال الفرنسية، وايني الإيطالية ونوفاتيك الروسية" للتنقيب عن النفط والغاز في بلوكين من أصل 10 (البلوكين 4 الشمالي و9 الجنوبي).

خطوة مهمة لها أن تغيّر وجه لبنان "المديون" في المدى المنظور من السنوات العشرة المقبلة، فكيف قرأ أهل الاختصاص هذه الخطوة، لماذا التلزيم لم يشمل أكثر من بلوكين، ما هو وضع الشركات الملتزمة التنقيب عن النفط اللبناني، وماذا عن نسبة الأرباح التي ستعود على الدولة اللبنانية؟

 


يؤكد الخبير في الصناعة النفطية المهندس ربيع ياغي لـ"ليبانون ديبايت" أن اقتصار التلزيم في بلوكين فقط هي الخطوة الأصح والأسلم فـ"من المنطق ألا يتم التلزيم دفعة واحدة، وما قامت به الدولة اللبنانية هو العرف المتبع عالميا، وتقنيا لدى كل الشركات المنقبة عن النفط والشركات البترولية الوطنية".

وعادة ما تبدأ عملية التلزيم في كل منطقة بحرية كانت أم برية بالتدرج، فلا ترمي أي دولة كل بلوكاتها النفطية دفعة واحدة بحسب العرف العالمي بعمليات الاستكشاف والتنقيب عن النفط او الغاز بحرا أو برا، لا سيما أن لبنان بلد غير نفطي وبالتالي ليس لديه تاريخ بهذا المجال ولا خبرة نفطية.

علماً أن نتائج البلوكين الأول والثاني تعطي دعماً للتفاوض في دورة التراخيص الثانية، ونتائج الثانية تعطي دعماً للدورة الثالثة. والتلزيم يتم كل 5 أو 6 سنوات بالتدرج لكل بلوكين لتصبح كل البلوكات ملزمة بعد فترة زمنية معينة، على أن تنتظر كل فترة نتائج الفترة السابقة.

ويرى ياغي أن تلزيم البلوكات دفعة واحدة ليس بمنطقي لناحية البلد المنتج وحسب، بل لدى الشركات المستثمرة أيضاً. فمن غير المنطقي أن تأتي شركتان أو ثلاثة أو أربعة وتلتزم التنقيب في 10 بلوكات في بلد ليس لديه تاريخ نفطي.

وعن الشركات، يقول ياغي إنه لم يكن أمام لبنان خيارات واسعة فالشركات التي تلزمت هي الشركات الثلاثة التي تقدمت على دورة التراخيص، لكن لبنان ربح "اللوتو" بتلزيم هذه الشركات، كونها شركات عالمية تعمل في المنطقة منذ سنوات.

فـ"توتال" من أكبر الشركات الأوروبية النفطية، و"ايني" اكتشفت في مصر أكبر حقل غاز في البحر المتوسط، و"نوفاتيك" لديها الخبرة الواسعة من بلدها الأم الذي تكثر فيه حقول النفط وانتاج النفط والغاز. وهي ثلاث شركات من أكبر الشركات النفطية وأنظفها، وإذا كانت مجتمعة بحسب الائتلاف الحالي لها وفقاً للقانون اللبناني فهي حتماً الأكبر. وبالتالي من حظ لبنان أن هذه الشركات الكبرى تقدمت، في الوقت الذي تحاول فيه معظم الشركات التخفيف من استثماراتها بحكم هبوط الأسعار بالأسواق العالمية، على حدّ تعبير ياغي.

أما في ما يخص جني الأرباح، إذ حددت بحسب عقود التلزيم حصة الدولة من الإنتاج بين 60 و70 في المئة في البلوك الشمالي، وبين 50 و60 في المئة في البلوك الجنوبي، وهي الحصة التي اعتبرها ياغي مهمة جداً نسبةً لبلد ليس لديه خبرة ولا اكتشافات سابقة. فـ"الشركات تشتري سمكاً في البحر إما أن يصيب استثمارها وإما يخيب" وفي العاد الشركات عندما تذهب الى بلدان ليس لديها اكتشافات نفطية سابقة تكون نسبة أرباح الدولة صاحبة الثروة بين الـ40 والـ50 في المئة.

وستبدأ الشركات الملتزمة التنقيب عن النفط والغاز عمليا في الـ2019 بعد نهاية كل المهمات الورقية، الادارية، والمصرفية والسكنية، ورخص العمل وغيرها من الإجراءات الروتينية التي تقوم بها أي شركة خارجية تأتي للعمل في لبنان.

لكن بدء الحفر، في حال أسفر عن كميات تجارية من النفط والغاز، لا يعني بدء جني الأرباح، فلبنان يحتاج لفترة اقلها 8 سنوات للحصول على عائدات نفطية أو غازية من المبيعات، وهو الربح المعرّض لتقلب أسعار النفط أيضاً. 

فقبل الـ2027 لا يعتقد أحد أنه سيكون لدينا عائدات للخزينة اللبنانية من النفط في حال كان هناك اكتشافات، لأن هناك مراحل عدة تسبق مرحلة الانتاج، هي مرحلة الاستكشاف، مرحلة الحفر والتنقيب، ومرحلة تطوير الآبار، وكل مرحلة من هذه المراحل بما فيها الانتاج تحتاج لفترة لا تقل عن عامين.

ويشدد ياغي على أنه على الدولة اللبنانية خلال هذه المرحلة (الـ8 سنوات) أن تحضر نفسها للإنتاج، من تهيئة البنى التحتية والبشرية، لا سيما أن نقل إنتاج الغاز يشكل تحدٍ كبير كون نقله يحتاج لأنابيب خاصة في البرّ تصل من شرق المتوسط حتى أوروبا ومحطات استلام وتجميع خاصة، أما نقله في البواخر فيحتاج لتسييل.

فهل سيكون لبنان الفن والسياحة على قدر مسؤولية لقبه الجديد ويستغل ورقة "اللوتو" النفطية التي ربحها عبر تلزيم هذه الشركات في اثنين من بلوكاته؟