أصغر حادثة أمنية يمكن لها أن تُعكّر صفو الصيغة العلاجية، كظهور قائد عراقي بزيّه العسكري على حدود لبنان الجنوبية
 

أولاً: صيغة النأي بالنفس أو الإنعزالية

يعود الفضل في صياغة التّوجه السياسي بالنأي بالنفس عن اضطرابات المنطقة العربية الساخنة لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام ٢٠١١، وذلك بعد اندلاع أحداث الثورة السورية واحتدام النزاع العربي حول هذه الأحداث داخل جامعة الدول العربية، وكان هذا التّوجه أو المنحى ممكناً قبل انغماس حزب الله في الحرب السورية، وما أُشيع عن تدخلات "لوجستية" لأطرافٍ لبنانية مؤيّدة للثورة السورية، وبعد ذلك أصبح من الصعب جداً عزل لبنان عن صراعات المنطقة، وللمفارقة العجيبة أنّ التيار "العروبي" في لبنان لطالما صارع وقاوم التيار "الانعزالي"، الذي كان يرى أن لا خلاص للبنان إلاّ بعزله عن العالم العربي المكتظ بالمشاكل والحروب والصراعات والأزمات، وغالباً ما كانت تُكالُ لهذا التيار الانعزالي أقبح الأوصاف والنعوت، ولعلّ أهونها: خيانة قضايا الأمة العربية وفي طليعتها القضية الفلسطينية.

إقرأ أيضا : حزب الله ينجح بالنّأي بالنفس في القدس، وباسيل يُخفق في باريس

ثانياً: استحالة الإلتزام بالنأي بالنفس

أُعيد طرح صيغة النأي بالنفس بقوة وإلحاح بعد استقالة الرئيس الحريري (العجيبة الغريبة) من المملكة العربية السعودية أوائل الشهر الماضي، ولكن هذه المرّة تعيّن المطلوب منه أن ينأى بنفسه عن أزمات العالم العربي، إنّهُ حزب الله، والمقصود بالعالم العربي يكاد يقتصر على اليمن، ونشط الناشطون والحريصون على استقرار لبنان السياسي والأمني (ومن ضمنهم فرنسا وأميركا) لإعادة الروح لمندرجات التسوية الرئاسية التي جاءت بالجنرال عون رئيساً للجمهورية وسعد الحريري رئيساً للحكومة، واكتشف الجميع صيغة النأي بالنفس علّها تكون المخرج الآمن لإستقالة الحريري، مع علم الجميع واقتناعهم باستحالة تطبيق الصيغة، ناهيك عن الإلتزام بها، ومع ذلك جرى اعتمادها كعلاج "وهمي" لمعضلة "حقيقية"، بانتظار الاستحقاق الانتخابي القادم بعد شهورٍ معدودة.
إلاّ أنّ أصغر حادثة أمنية يمكن لها أن تُعكّر صفو الصيغة "العلاجية"، كظهور قائد عراقي بزيّه العسكري على حدود لبنان الجنوبية. إلاّ أنّ أخطر ما يمكن أن تواجههُ هذه الصيغة، أحداثٌ جسام مرشّحة للظهور عند كلّ منعطف، وبين الفينة والأخرى، وتبدو قضية القدس الداهمة هذه الأيام من أبرز المخاطر على صيغة النأي بالنفس الحريرية الجديدة ولن يطول الأمر بالرئيس الحريري ليكتشف عاجلاً أم آجلاً بأنّ النأي بالنفس ما هو إلاّ "حديثُ خرافةٍ يا أُمّ عمرو".