عادت القوى السياسية لتلتف حول بعضها بعد إحياء التسوية الرئاسية، متأهبة لخوض الانتخابات النيابية المقبلة بشراسة الخط الواحد، فما قبل 4 تشرين الثاني ليس كما بعده، يعلم جيداً من هم في الضفة المقابلة ذلك، وهم من لم تنجح التسويات على اختلافها، وعلّات البلد على أنواعها من توحيد صفوفهم.

انتشر خلال الساعات الماضية خبر مفاده أن "11 هيئة وجمعية من المجتمع المدني نجحت مؤخراً في إنشاء مجلس يوحد الآراء والنشاطات" وهي خطوة يضعها المتابعون في كفة التسلّح لخوض المواجهة الانتخابية، ولكن لا يعوّل عليها أبناء البيت المدني أنفسهم. ويرون أنه عدد زهيد نسبةً لأكثر من 11 ألف جمعية مدنية موجودة في لبنان، بحسب الأرقام التقريبية للـUNDP، في ظل غياب رقم نهائي من وزارة الداخلية. ويضعون هذه الخطوة في إطار المحاولات المتكررة لجمع صفوف المجتمع المدني والخروج بموقف موحد.

فكيف يتحضّر المجتمع المدني الذي تُلقى على عاتقه مهمة انتشال اللبناني من مستنقع الأمر الواقع، لخوض المعركة الانتخابية النيابية المقبلة، ما هي خطط المواجهة، كيف لهذه الخطط أن تتغير حسب قانون الانتخاب الجديد، وهل سنرى المجتمع المدني في تحالفات موحدة ووازنة على عكس "ضجيج" الانتخابات البلدية الذي كان بلا "حجيج" رغم جماله؟

يؤكد أمين عام مرصد الحراك المدني الدكتور غسان بو دياب لـ"ليبانون ديبايت" أن هناك اتجاهاً لتوحيد صفوف المجتمع المدني والعمل جدّي بهذا الاتجاه، فـ"الخطأ الذي حصل في الانتخابات البلدية لن يتكرر في النيابية، لأن المعطيات مختلفة واللاعبون مختلفون، والمعركة مختلفة، واليوم إذا ذهبنا إلى الانتخابات النيابية بنفس تفكير الانتخابات البلدية سنفشل فشلاً ذريعاً".

وعلى المجتمع المدني اليوم أن يبحث عن حلفاء له، ويعترف بنفسه كشريك وأساس وصانع قرار وليس كظل وحسب، وإذا لم يُوفق في الانتخابات يجب أن يكون جاهزاً لمعارضة شرسة محترمة لديها برنامجها وخطتها وخياراتها وبدائلها، وعليه أن يطرح أشخاصاً قادرين على أن يشكلوا بدائل حقيقية للصف الموجود. وبالتالي بعد التصفية التي ستأتي بها الانتخابات النيابية على المستوى التفضيلي يجب أن يكون الطاقم المعارض جاهزاً للحكم كما هو الطاقم الموالي جاهز للحكم، كما يلفت بو دياب.

وعن التحالفات، يشير إلى أن المجتمع المدني سيحالف على أساس مبدأين "من لم تتلوث يديه بالمال العام ومن لم تتلوث يديه بدماء اللبنانيين، وسنكون مع أي شخص يؤمن بمشروع تغييري وهدفه سيادة لبنان واستقلاله. والانتخابات النيابية، وخصوصا اللوائح المقفلة التي لها علاقة بالنسبية، ستفرض على المجتمع السياسي أن يضع لأول مرة في تاريخه أجندة، وبالتالي سيكون معيار التحالف على ضوء البرنامج الانتخابي الذي يحتم علينا ألا نضع يدنا إلا في يد من يشبهنا من طالبي الإصلاح، فعلى أساس البرنامج سنخاصم أو سنحالف حتى الأخصام مع مراعاة الشروط السابقة الذكر".

ورداً على سؤال عن كيفية مواجهة المجتمع المدني لأحزاب السلطة في ظل الحديث عن تحالفات رباعية وخماسية، يجيب بو دياب "من السابق لأوانه الحديث عن تحالف من هذا النوع، لأن التحالفات بهذا القانون مضروبة، ويستحيل تجيير الأصوات. ومن يتحدث عن تحالفات بهذا الحجم لم يقرأ القانون الانتخابي وتفاصيله بشكل سليم، فالنسبية مطحنة لا ينجو منها إلا فعلاً من حظي بخيار الشعب اللبناني الحر، وسيُفاجأ الناس في الخيارات".

أما آمال الخرق، يعتبر بو دياب أنه "في حال دخل المجتمع المدني الانتخابات بأشخاص قادرين على أن يحققوا البديل للطاقم الموجود، وإذا قامت السلطة السياسية بممارسة نفس الغباء السياسي بترشيح ذات الوجوه والأشخاص فنسبة الخرق يمكن أن تكون عالية جدا". ويرفض تحديد عدد النواب المتوقع الخرق بهم ويكتفي بالإشارة الى أنه سيكون هناك كتلة نيابية من مختلف الطوائف لأول مرة هي معارضة تمثل المجتمع المدني أو على الأقل ضمير المجتمع المدني.

ويعوّل المجتمع المدني في الخرق على سوء قراءة السلطة السياسية للقانون الانتخابي وعلى مزاج الشارع، وعلى بعد نظر منظّري المجتمع المدني بتقديم الشخص المناسب وليس اجترار ذات النهج والمنطق. ويصف بو دياب الوضع الحالي للمجتمع المدني بـ"التريث وعدم النأي بنفسه عن هذا الصراع السياسي". ويقول "ندرس اليوم تحالفات وإمكانيات كل مرشح وأين يستطيع التمثيل، أي نحن اليوم في مرحلة جوجلة الأفكار والمواقف".

فهل يستطيع المجتمع المدني أن يخرق جدار العزل الذي بنته السلطة بينه وبين السلطة التشريعية، أم علينا أن ننتظر أربع سنوات جدد لنتمتع بحياةٍ تشبه الحياة، ووطن يشبه الأوطان، ومدينة تشبه أهلها.