روسيا التي أثبتت مهارة فائقة في الميدان العسكري، لا يبدو أنها تمتلك نفس القدرة والمهارة في إخراج الحلول السياسية
 

من السابق لأوانه الحديث عن تسوية كاملة للوضع السوري  ومن الخطأ الاستغراق في التفاؤل بإيجاد حل للأزمة السورية المبني على اللقاءات والإجتماعات والإتصالات المتلاحقة بين مختلف الأطراف الدولية والإقليمية والداخلية المعنية بالشأن السوري  والتي تمت ترجمتها على أرض الواقع بسلسلة من المحادثات في جنيف وفي أستانا وفي سوتشي  والرياض عاصمة المملكة العربية السعودية وغيرها والتي لم تتمكن من إنتاج حل تتوافق عليه كافة الدول التي إنخرطت في الحروب السورية في كافة مراحلها  والتي إنطلقت شرارتها الأولى منذ ما يقارب السبع سنوات على خلفية المطالبة بإصلاح النظام السوري ولاحقا بإسقاطه.  فمنسوب التفاؤل عن إنتهاء مرحلة الإرهاب في الواقع السوري  وإستتباب الأمر لنظام الرئيس بشار الأسد. والوعود بإعادة إعمار ما هدمته الحرب المجنونة في سوريا  فيه الكثير من المبالغة والتصنع. إذ أن الواقع الميداني يشير إلى عكس ذلك تماما في ظل عجز المجموعة الدولية عن إيجاد قواسم مشتركة لكل المطالبين بالمشاركة في البحث عن حلول للأزمة السورية  ومع السعي الروسي لتركيب حل يفترض بقاء رئيس النظام بشار الأسد كبطل للسلام  مع غياب كامل للدور السياسي الفعال للولايات المتحدة الأميركية  والذي لا تعوضه تصريحات وزير خارجيتها ريكس تيلرسون عن نهاية حكم الأسد التي تذكر بمقولة الرئيس السابق باراك أوباما في آب 2011 عن الأيام المعدودة لحكم الأسد.  ومنشأ صعوبة التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية يكمن في كثرة المؤتمرات في العديد من العواصم والمدن في العالم إضافة إلى كثرة اللاعبين الدوليين والإقليميين والمحليين  والرؤية المتناقضة للأطراف المتنازعة على الأراضي السورية لوقائع الأزمة  والتي يشوبها الكثير من التعقيدات والإرباكات ،  سيما وأن بعض الدول وخاصة الدول الأوروبية تتعاطى مع الأزمة السورية وكأنها محصورة بالإرهاب واللاجئين فقط. 

إقرا أيضا: حزب الله لم يترك للحريري غير الإستقالة

فتحض على محاربة الجماعات الإرهابية للقضاء عليها وتسعى إلى إيجاد مخارج للاجئين السوريين. وتتغافل عن المأساة الحقيقية التي يعيشها الشعب السوري المتمثلة بطبيعة النظام وفرض ديكتاتوريته بإلغاء الرأي المعارض وبسط سطوته بالقتل والإعتقال وتعذيب الأصوات المعارضة وزجها في السجون والزنازين ، في حين أن بعض الأطراف الأخرى ترى في المسألة السورية قاعدة إنطلاق ومعبرا للمشروع الإيراني التوسعي في المنطقة. والبعض الآخر يرى فيها منصة لإعادة الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم.  وبات واضحا أن الحراك الدبلوماسي لا ينفصل عن الوقائع الميدانية في الساحة السورية مع تعدد الحروب وتنوعها حيث بدأت بمواجهة النظام السوري لحراك المعارضة المطالبة بالإصلاح وتطورت إلى حرب اتخذت طابعا مذهبيا سني شيعي ومن ثم إلى حرب ضد الإرهاب الذي يتزعمه تنظيم داعش وجبهة النصرة وباقي الجماعات الإرهابية ، إضافة إلى العامل الإسرائيلي الحاضر بقوة تحت عنوان البعد الأمني،  دون أن نغفل التدخل الروسي الواسع والوجود الأميركي،  فتحولت سوريا إلى ساحة لصراعات ونزاعات محلية وإقليمية ودولية بغية المزيد من الهيمنة عليها. 

إقرا أيضا: التريث بالإستقالة هو مدخل للحوار الوطني

وفي ظل هذا الواقع الشديد التعقيد وتضارب الإتجاهات ،  تصدر إيحاءات مطمئنة عن إنسحاب مئات من الجنود الأميركيين من منطقة الرقة وبدء تخفيف الوجود العسكري الروسي في سوريا. ويترافق ذلك مع الموت الذي يحط رحاله في الغوطة الشرقية ، إضافة إلى أن الأمور لا زالت غير محسومة في عفرين وإدلب  ناهيك عن شبح التهديد الإسرائيلي بالتدخل.  فروسيا التي أثبتت مهارة فائقة في الميدان العسكري،  لا يبدو أنها تمتلك نفس القدرة والمهارة في إخراج الحلول السياسية.  خصوصا في ظل إتهام الجانب الروسي لواشنطن بأن دورها لم يكن فعالا على المسرح السوري يقابله إتهام أميركي لموسكو بأنها لم تف بوعودها بإبعاد حزب الله والميليشيات الإيرانية عن الساحة السورية، وهذا يعيد الكرة إلى الملعب الأميركي - الروسي حيث تضيع كلمة السر التي تعتبر مفتاح الحل للأزمة السورية .