اتضح أن الرئيس الحريري لا يستطيع الإبتعاد عن السلطة وليس بمقدوره أن يكون معارضًا كونه لا يفقه المعارضة
 

باتت تسوية النأي بالنفس إحدى المعلقات الأربعة المعلقة على حائط البيان الوزاري بما يعني أن لبنان بات محكومًا بمعادلات ورقية لا أكثر تعطي ما يريده كل طرف قولًا لا فعلًا طالما أن الإختلاف هو سيّد الصدور وهو المُضمر وما على الألسن إلاّ سياسة الضرورة التي تبيحها محظورات الإختلافات غير المسموح بها من قبل المتضررين من فساد الأمن وعدم الإستقرار.
بعد الشعب والجيش والمقاومة يأتي النأي بالنفس ليكمل قلادة التسويات المتعاقبة مخافة الوقوع في المحظور وهنا برز الرئيس سعد الحريري كصمام أمان في مرحلة عجّت بالمواقف المحتشدة داخل الضرورة الحريرية لإنقاذ لبنان من فتن قادمة عليه أو نائمة فيه وتمّ تلبية شرطه للعودة عن الإستقالة باعتماد سياسة النأي عن النفس تماماً كما لبّ الجميع شرط حزب الله في إعتماد صيغة الجيش والشعب والمقاومة في أيّ بيان وزراي وهذا ما أكدّ على الوزن السياسي للحزب في ظل توازنات غير متوازية.

إقرأ أيضًا: الحريري وجعجع على مفترق طرُق
لقد ربح الحريري شعبيته التي فقدها على مدار سنوات نتيجة إخفاقات في الرؤية السياسية واندفاعه الأعمى نحو مصالحات وتفاهمات يراها مؤيدوه بأنها دون المطلوب كونها تمنح الخصوم ما يريدونه ولا تعطي جماعة السيادة ما يحتاجون إليه من قوّة للصمود بوجه تيّارات الممانعة، وبلغ بعيد الإستقالة والحفاوة الوطنية التي أغدقت غدقًا وفجأة على الرئيس الحريري من قبل أخصامه رُتبة وطنية عالية تجاوزت الحضورين الكثيفين للتيّار والطائفة في بيت الوسط.
كما أنه ربح دوره الإنتخابي كلاعب دون منافس في الساحة الإنتخابية السنية بعد أن كان هاجس المستقبل ينزع نحو الخوف من إنتخابات غير سهلة وقد تُفقد التيّار نسبة من حصته الإنتخابية لذا كان يأمل بعرقلة الإنتخابات لعدم إجرائها في ظل ضعف ملحوظ في بيت الوسط لصالح بيوت أخرى فُتحت أبوابها نتيجة سقوط شعارات المستقبل على مراحل بحيث لم يبق شعار غير ساقط من السماء الزرقاء من المحكمة الدولية إلى السلاح واستعماله واستخدامه في ساحات متعددة ذودًا عن محور عدو لمحور المستقبل.
كشف الحريري صعوبة أن يملأ أحد فراغه في قيادة التيار وداخل الطائفة وفي رئاسة الحكومة وهذا ما أدّى إلى وضع لبنان طيلة الإستقالة على شفا جُرف هار وكانت عودته على ضوء المواقف اللبنانية من المملكة وعن الإستقالة مهبط أمان للوضع اللبناني ودعوة جديدة لخلق تعاون متوازن بين الطبقة السياسية في إطار حكومي يلبي شروط الجميع للتعايش الطوعي لا الكرهي بين المكوّنات السياسية للحكومة الحريرية.

إقرأ ايضًا: دواعش العرب والعجم
في تصريحات الرئيس الحريري الأخيرة تسليم بصعوبة البحث عن حلّ لسلاح حزب الله لبنانيًا لعدم الإمكانية في معالجة ذلك من قبل أي طرف داخلي واعتبر أن موضوع السلاح بيد الدول النافذة والمعنية وبذلك أقرّ بفشل ذريع لسياسة متبعة لدى فريق تزعمه الحريري تحت شعار نعم للدولة ولسلاحها الشرعي ولا للدويلة ولسلاحها غير الشرعي وهذا الموقف عبارة عن ورقة نعيّ أخيرة لفريق 14 آذار المُجتمع والمُلتف أساسًا حول هذا الشعار كما أن هذا الموقف يعكس سياسة بديلة عن السياسة التي كانت معتمدة من قبل المستقبل ومن قبل حلفائه وهي تتغذى من مصل السياسة التي يوفرها الفريق الآخر الأقوى والذي بيده مفاتيح الحكم والسلطة.
اتضح أن الرئيس الحريري لا يستطيع الإبتعاد عن السلطة وليس بمقدوره أن يكون معارضًا كونه لا يفقه المعارضة بالقدر الذي يفقه فيه السلطة لهذا ترتفع عنده حسابات السلطة على ما عداها من حسابات أخرى ولهذا يندفع باستمرار تجاه العقلانية السياسية ويجنح نحو السلم باعتماد مبدأ التسويات والتفاهمات التي تبقيه على رأس السلطة لتسييرها على عجلة واحدة.
من هنا يبدو أن التسوية الجديدة بالنسبة للمتحمسين لسياسة القطيعة مع حزب الله من صقور السياسيين إلى الجماهير الغاضبة هي قيام الحريري بخلع عباءة المملكة واعتمار العمامة الإيرانية.