هل المشكلة هي في العودة إلى الشرعية، أم أن المشكلة هي في الشرعية نفسها، لجهة إجراءاتها ومنطقها وقواعد اشتغالها؟
 

يعتبر نداء "الدولة والمواطنة" الذي أطلقته نخباً شيعية متنوعة، خطوة جديدة وجريئة في الإعلان عن نقل المعارضة داخل البيئة الشيعية ضد الثنائي: أمل وحزب الله، من النقد والتعبير عن رفض جملة ممارسات، إلى خوض معركة الانتخابات النيابية القادمة. في مسعى من هؤلاء لتحقيق أمرين: كسر حصرية التمثيل النيابي للطائفة الشيعية من جهة، وإيصال صوت شريحة اجتماعية وثقافية داخل الطائفة بعضها معارض والبعض الآخر لا تتناغم قناعاته وولاءاته مع التنظيمين الشيعيين المهيمنين من جهة أخرى.
أمران يسجلان لأصحاب هذا النداء: 
أولهما جرأة النداء لجهة مواجهة تنظيمين راسخين مقتدرين وأصحاب خبرة ممتدة زمنياً، ما يجعل الحظوظ في إحداث اختراق نيابي ضئيلة، هذا فضلا عن العقوبة، المعنوية وربما المادية، التي يتعرض لها المعارض لقوى الأمر الواقع القائمة.
ثانيهما:  أنه يحرك، حتى لو كانت البداية ضعيفة، عملية التنافس الديمقراطي الفعلي، بعدما كانت معطلة منذ زمن بعيد بسبب التحالف الوثيق بين التنظيمين الشيعين  الذي ضمن لهما تأمين الأكثرية الساحقة باستمرار، ومكَّنهم من تسمية النواب قبل حصول الانتخابات. وهو أمر أفقد مشهد الاقتراع جديته وحراراته، وقوله الفصل في رسم المشهد السياسي، بعدما صار توقع النتائج حتمياً قبل التصويت.
 صلب النداء ومعقد خطابه هو: "العمل بالدستور.. وقيام الدولة العادلة وبسط سيادتها على أراضها وجميع مؤسساتها وأجهزتها". أي الدعوة إلى التظلل بالشرعية التي يحددها الدستور، واستعادة الدولة لسيادتها المنتقصة أو المنتهكة في أكثر من حقل أو مجال. 
إنها دعوة لن يختلف عليها اثنان، بمن فيهم المُعتَرض عليهم، أي أمل وحزب الله، خاصة وأن الطرفين هما الجهة الرسمية أي الشرعية التي تمثل الطائفة الشيعية في الدولة اللبنانية. فلا أحد منهما يمارس نشاطه، بحسب خطابه أو ادعائه، خارج الدولة، ولم يصرح أحد منهما بعدم مرجعية الدستور، ولا يقبل أيٌ منهما في مواقفه انتهاك السيادة اللبنانية، بل يذهب حزب الله  إلى اعتبار سلاحه ضمانة للسيادة اللبنانية التي عجزت أجهزة الدولة عن حفظها لعقود طويلة.

إقرأ أيضا : بيان نداء الدولة والمواطنة: لكسر إحتكار التمثيل الشيعي في الدولة
إذا كان صلب دعوة النداء هو عودة الشرعية، فهل هذا لعب في ملعب الخصم، أي لعب وفق قواعده، بصفته القوة الشرعية (الرسمية)؟ وهل المشكلة هي في العودة إلى الشرعية، أم أن المشكلة هي في الشرعية نفسها، لجهة إجراءاتها ومنطقها وقواعد اشتغالها؟ 
فالسلطة،  لا تضمن اختيار القرار من بين أنماط بديلة من الفعل فحسب ، بل تشمل عدم اتخاذ القرار لجهة التدخل في قواعد توزيع المنافع والامتيازات. فالذي يمسك بالقرار لا يكتفي بإثبات غلبته وقدرته على التفوق، بل يعمد إلى تغيير قواعد اللعبة  في تحديد قواعد النقاش، وما هو مهم وما هو غير مهم، بل في تحديد ما هي المظالم التي تستحق أن تسمع والتي لا تستحق.   
لذلك لا تقتصر السلطة على اتخاذ القرار وفق تفضيلاتها وشبكة مصالحها، بل تعمد إلى منع أي تحد كامن أو ظاهر يتحدي قيم ومصالح صانع القرار،  من خلال تعطيل باقي القوى عن تقديم تفضيلاتها وإعاقتها عن حضور ساحة التنافس السياسي،  وصدها عن الظهور إلى الواجهة، ليكون بالإمكان خنقها قبل أن تسمع أو تبقى مغطاة ومطموسة قبل أن تكسب سبيلا إلى منطقة صناعة القرار، وتسمح فقط بالتفضيلات التي تُقدِّرُ السلطة مسبقاً أنها لا تضرها وتضمن لها التفوق والأغلبية، ما يعزز من شرعيتها إثر منافسة انتخابية غير متكافئة بينها وبين خصمها.
لذلك وعلى الرغم من أن القانون الانتخابي الأخير، قد فتح الباب لاختراقات ممكنة داخل اللوائح الكبرى، إلا أنها حظوظ هذه الاختراقات تبقى ضعيفة بل منعدمة في بعض الدوائر، عندما لا تراعى قواعد التنافس الانتخابي وفق الأصول الديمقراطية التي تضمن تكافؤاً في التنافس وتوفر فرصاً متساوية للجميع في إيصال الخطاب والبرنامج.

إقرأ أيضا : نداء الدولة والمواطنة لمواطنين شيعة مستقلّين: أسئلة لهؤلاء الشجعان!
فحين تكون وسائل المرئي والمسموع موزعة بحسب خارطة قوى الأمر الواقع،  وحين لا يضمن المرشح الجديد غير الموالي للقوى النافذة فرصته في التعبير السياسي الكامل بل حتى سلامته داخل بيئته الاجتماعية، وحين تقسم المناطق الجغرافية أو السكنية مناطق نفوذ بين القوى الحزبية لا مناطق إدارية رسمية، وحين تكون الأمكنة الاجتماعية أو الدينية (حسينيات،  مساجد، شوارع، ساحات عامة) تحت سيطرة القوى السياسية النافذة، وحين يكون النشاط الثقافي المتنوع محظوراً أو محرماً إلا على اللون الواحد، وحين  يمتد النفوذ الحزبي إلى مناطق وأمكنة عامة يفترض بها أن تكون تحت إدارة الدولة ونفوذها. حين ذلك كله، يكون لدينا بيعة لا تنافس انتخابي، وقواعد لعبة تنافسية تتكرر فيها  النتائج الانتخابية نفسها، مثلما يتكرر الرقم نفسه في رمية النرد الملغوم، مهما تعددت الرمية واختلف الرامون.
إذا كانت السلطة هي الواضع الاصلي لقواعد الشرعية السياسية، وتتحكم علناً وخفية بمجرياتها، حيث لا تكتفي بتحديد من يمسك بالسلطة، بل بتحديد المعارض أو المقاوم المشروع ضدها، فإن ذلك يكون لعب في ملعب السلطة، ووقوف فوق أرضها، بحيث وبدلاً من أن يكون الفعل المقاوم تقويضاً لها، يصبح عنصر تقوية واستقراراً لها وتأكيداً لصفتها التمثيلية.
   إذا كانت السلطة تتحكم بمجريات الشرعية القانونية أو الرسمية، فإن هنالك شرعية أكثر تجذراً وعمقاً، وتعمل خارج دائرة القانون والتحكم الرسمي، نسميها الشرعية الإجتماعية، وهي الشرعية التي لا تحدد شروط الإنتخابات بل تنتج الناخب الذي يقدم بملء إرادته على الإنتخاب لصالح جهة معينة.  إنها الشرعية التي تحمل أساساً ثقافياً لها ممتداً في التاريخ ومتجذراً في بنى الاجتماع اللبناني، ورسختها طائفية النظام اللبناني، الذي حرص على رسم الفواصل العميقة بين مكوناته الاجتماعية، وبالتالي حال دون تكون مجتمع (Society) لبناني يتوحد بتطلعاته وأماله ومخاوفه وقيمه وتحالفاته، بل استقر التكوين الاجتماعي في لبنان على جماعات (Communities) متداخلة في أسباب عيشها ويومياتها، متباعدة في شبكة مصالحها ونظام قيمها وتضامناتها الاجتماعية.  وهو أمر جعل كل طائفة تتمسك بعصبيتها وتعمد إلى تضخيم خصوصياتها الرمزية، وحتى المبالغة في معتقداتها وطقوسياتها وشعائرها الدينية، لا لمغزاها الروحي أو حتى الأخلاقي، بل لأنها تؤدي وظيفة اجتماعية-سياسية تضمن لها التماسك والبقاء وتولد في أبنائها شعوراً بالقوة والأمان. 
هذا الأمر حوَّل الشرعية الاجتماعية من شرعية شاملة تطال كليات الوطن ومصائره، إلى شرعيات جزئية بعدد الطوائف، لكل منها منطقها وأولوياتها وإجراءاتها.  أي من شرعية مجتمع إلى شرعية  جماعات، ومن شرعية أمة (Nation) إلى شرعية ملل وفرق ومذاهب.  وهو أمر جعل المشروعية السياسية لا تقوم على البرنامج السياسي أو على النزاهة الأخلاقية أو الأهلية السياسية، بل على الأبوة السياسية، أي على إثبات القدرة على حماية الطائفة وتأمين مصالحها وتدبير شؤونها ورعاية أمور أفرادها، وتجسيد قيمها وإقامة شعائرها وطقوسها وتمثل مآسيها.

إقرأ أيضا : نداء الدولة والمواطنة: ما حدث في الضاحية ليس مقبولا وواجب الحكومة إيجاد حل للمتضررين
فالطوائف في لبنان، على ما يبدو، ما تزال في مرحلة البحث عن أب يرعاها وتقدم له بالمقابل الولاء غير المشروط، لا البحث عمن يمثلها في تحقيق مطالبها وفي حال تقصيره أو قصوره يتم عزله وتبديله.  
هذا يفسر تنافس القوى السياسية الفاعلة على إقامة المجالس العاشورائية، إذ رغم كثافة الحدث العاشورائي الوجدانية وشدته المأساوية، فإن استثماراته السياسية غير خفية بل كانت فاقعة أحياناً، بحكم أن ذلك يقع في صميم المشروعية السياسية.  ويفسر الاحتجاجات الأخيرة التي حصلت في أحد الأحياء الشيعية المكتظة،  التي وعلى الرغم من خروج التعابير عن لياقة التعبير، إلا أنها ظلت بمثابة عتب الإبن القاصر والضعيف على أبيه الذي قصَّر في أو غفل عن رعايتهم، وهو عتب أعقبه استغفار وتوبة الولد الذي يتجرأ على أبيه بألفاظ نابية.  
من هنا فإن الدعوة إلى الشرعية وفق قواعد السلطة الحالية، قد يوقع أصحابها في حبال السلطة القائمة، أو قد يعيد إنتاج السلطة نفسها في حال تغيرت الوجوه والشخصيات وتبدلت القوى.  فأزمة لبنان آخر الأمر ليست مشكلة أشخاص أو أحزاب قائمة، بل أزمة بنيوية تطال منطق إدارة الواقع اللبناني لنفسه الذي يبقى ثابتاً رغم تغير الوجوه وتعاقب الأجيال، وإزاحة رموز السلطة انطلاقاً من شروط الشرعية نفسها التي كانت مصدر بلاء على لبنان،  هي ترسيخ لقواعد اشتغال هذه السلطة وتعزيز لإجراءاتها وتنفيذ لاستراتيجياتها.
لذلك، فإن الرهان هو في اعتماد مشروعية اجتماعية مضادة. إذ لا يكفي إدانة السلطة، إما بمحاكمة نوايا الحاكمين، أو انتقاد سوء أدائهم، أو فسادهم، أو نزعة التسلط فيهم. ذلك كله لا يكفي رغم ضرورته، لأنه شخصنة للأزمة ووضعنتها (Ojectified) بمعنى حصرها بحزب أو شخص أو نظام حكم، من دون الالتفات إلى أن جوهر الأزمة غير متموضع في مكان أو جهة محددة، بل شاملة ومنتشرة في جسد الواقع اللبناني كله. إذ قد يحصل التغيير الشامل يوماً ما على يد قوى جديدة مقتدرة، لكن أصول وقواعد ممارسة السلطة وتوزيعها ومبادئ الإنصياع والمشروعية تبقى هي نفسها. قد تتنوع التجليات والمحددات تبقى واحدة، ولا يكفي لوم القبطان من دون التنبه إلى أعطاب السفينة.  
حظوظ إحداث اختراقات مهمة في الانتخابات القادمة ليست مستحيلة، والدخول في التجربة بات ضرورياً رغم ضعف الإمكانات، فكم من حادثة عرضية غيرت وجه التاريخ، وكم من مبادرة متواضعة أحدثت آثاراً خطيرة لم يتوقعها أو يقصدها أصحابها أنفسهم.