عندما ضرب إعصار الاستقالة، أوّل ما أصاب كان البيت الداخلي لتيار «المستقبل». ففي وقت كان أقطاب التيار وصانعو سياساته يعممون أجواء التفاؤل حول بقاء التسوية والحكومة قبل ساعات على الاستقالة، فوجئ الجميع بأنّ الرئيس سعد الحريري قرر الخطوة الحاسمة، وأعلن من الرياض انتهاء فصل طويل من تسوية لم يعد ممكناً استعادة توازنها
 

في البيت الداخلي لتيار «المستقبل» لم يكن الموقف نفسه موحداً لدى الجميع. وسجلت الاستقالة ولادة معادلة جديدة سمّيت في التيار معادلة «نون ـ نون»، والمقصود معادلة قوامها توافق ما بعد الاستقالة بين الوزير نهاد المشنوق ومستشار الحريري نادر الحريري.

وتقول المعلومات انّ الرجلين اتفقا على اعتبار انّ ما يجري هو ضرب للتسوية، التي لا بديل منها، كما انه سيؤدي الى تعديل اوزان وادوار واحجام، داخل التيار نفسه، بما لا يتوافق مع موازين مرحلة التسوية.

وتضيف المعلومات، أنّ البيان الثاني لكتلة «المستقبل»، صُنِع بين المشنوق والحريري، ولم يملك رئيس الكتلة فؤاد السنيورة الّا الموافقة عليه إستجابة لرغبة النائب بهية الحريري، ولأسباب أخرى جوهرية.

ولقد أحدث البيان اهتزازاً كبيراً ودويّاً وصلت اصداؤه الى الرياض، حيث بَدا وكأنّ تيار «المستقبل» يحمّل السعودية مسؤولية احتجاز حرية الحريري، ولم تنفع توضيحات السنيورة، ولا البيانات اللاحقة التصويبية في تخفيف الغضب السعودي، حيث تمّ التعبير عن هذا الغضب بتغريدتين، واحدة للوزير ثامر السبهان وأخرى للقائم بأعمال السفارة السعودية وليد البخاري، اللذين لم يذكرا اسماء محددة لكنهما أوردا أفعالاً لا يمكن أن تلقى السماح في السعودية، ولو بعد حين.

وتضيف المعلومات أنّ نقاشات حادة شهدها اجتماع كتلة «المستقبل»، إحداها بين نادر الحريري وأحد نواب الكتلة، حيث اتهمه الحريري بتبنّي خطاب اللواء أشرف ريفي، ليمتنع النائب بعدها عن المشاركة آنيّاً في الاجتماعات. وتضيف المعلومات أنّ المعترضين على الاستقالة، عملوا لتحريك الشارع للتظاهر مطالبة بعودة الحريري.

ولعلّ التوافق المُستجد بين المشنوق ونادر الحريري الذي أعقب الاستقالة وتلا مرحلة طويلة من الجفاء بينهما، مردّه قراءة أولية لنتائج الاستقالة، في ما يتعلق بالمرحلة الجديدة التي يفترض أن يقودها، الى جانب الحريري، فريق مختلف غير الذي رتّب للتسوية، وهذا سيعني كثيراً على صعيد هيكلية تيار «المستقبل».

وتشير المعلومات الى أنّ الجانب السعودي يرصد بدقة مواقف جميع الأطراف، ويذهب البعض الى اعتبار أنه كلما طالت فترة ابتعاد الحريري، كلما استفاد منها المراقبون في كشف أوراق لم يكن ممكناً كشفها لو لم تحصل الاستقالة، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقة بعض أطراف التسوية بـ«حزب الله»، وهذا أمر ناقشه السعوديون مع الحريري بالتفصيل، كذلك ناقشوا مسألة تعزيز حمايته التي تحدّث عنها في المقابلة.

الواضح أنّ معادلة «نون ـ نون»، التي لا تحظى بتوافق داخل «المستقبل»، ستكون على تماس مع مرحلة ما بعد الاستقالة، فما يصحّ قبلها لم يعد يصحّ بعدها، الّا اذا ارتأى من يسيرون بها القطع النهائي مع السعودية وما تمثّل من ثقل واحتضان لـ«المستقبل» وللطائفة السنية وللمشروع الذي ولد بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وستكون عودة الحريري الى بيروت غربالاً لهذه التوجهات، خصوصاً أنّ من يسيرون في المعادلة الجديدة، يؤيّدون عودة عن الاستقالة غير مشروطة وغير مربوطة بأيّ ثمن سياسي، وهذا ما تبلغه بعض الجهات في قوى 8 آذار التي باتت على اطمئنان الى أنّ شركاء التسوية ماضون في العمل على إنقاذها وكأنّ الاستقالة لم تحصل، لكن ذلك يصطدم بحائط سعودي عال، وباستقالة تحوّلت مفترق طرق لا يقود أي منها الى إحياء، ما تمّ التفاهم عليه قبل عام.