حزب الله يشعر أن أيامه السورية باتت معدودة، وأن قوة قاهرة قد تبعده عن حلبة التسويات السورية الكبرى. ويشعر أن وجوده في سوريا ولبنان بات فائضا لا يتسق مع أعراض التسويات الشرق أوسطية القادمة.
 

تستطيع وزارة الخارجية الإيرانية أن تعتبر أن استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري هي “مؤامرة سعودية أميركية صهيونية” لتوتير المنطقة، فذلك خطاب كلاسيكي في تعامل طهران مع الرياض وجزء من بروباغندا نظام الولي الفقيه ضد المملكة العربية السعودية. في المقابل لا يستطيع حزب الله، هذه الأيام، استخدام نفس المفردات الإيرانية، ذلك أن ما يصحّ قوله في طهران، ليس بالضرورة لغة من الحكمة تبنيها في الضاحية.

على هذا ممكن تفسير الخطاب “الهادئ” الذي خرج به حسن نصرالله أمين عام الحزب، والذي أطل على عجل للتعقيب على حدث الاستقالة المزلزل. أدرك الرجل وصحبه بسهولة أن استقالة الحريري في شكلها ومضمونها إيذانٌ ببدء عصر آخر يضع حزب الله في لبنان، دون نظام الولي الفقيه في إيران، تحت مجهر غليظ لم تعد أعراضه خافية على أحد.

قبل حدث الاستقالة كانت الغرف التشريعية في الولايات المتحدة الأميركية قد أنهت المصادقة على عقوبات جديدة من المفترض أن تكون أكثر إيلاما لحزب الله ومحيطه، وكانت مؤسسات السياسة في واشنطن قد أعادت نبش حدث تفجير مقر المارينز في بيروت عام 1983، وراح نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، ينفخ في الرأي العام الأميركي محضرا إياه لحقبة قادمة سينخرط فيها الأميركيون لتصفية حساب قديم. قبل حدث الاستقالة كان الرئيس الأميركي نفسه قد أطلق رصاصة الرحمة على “عقيدة أوباما” منهيا بذلك مقاربة أميركية جعلت من “الاتفاق” مع إيران خيارا وحيدا يستحق غضّ الطرف عن انتفاخ الظاهرة الإيرانية في الشرق الأوسط ورواج وازدهار ميليشياتها.

قد يحمي إيران علاقاتها المتقدمة مع روسيا والصين، وقد يعرقل الموقف الأوروبي المستمر في دعم الاتفاق النووي خطط واشنطن للذهاب بعيدا في المواجهة التي يرومها دونالد ترامب ضد إيران، لكن حزب الله يقرأ جيدا أن تلك “البركة” التي تجيزها عواصم كبرى لإيران لا تنسحب على ميليشياتها التابعة لها في المنطقة، وأن العوامل التي قد تؤجل صدام العالم مع إيران غائبة في حالة حزب الله، وأن إجماعا إقليميا دوليا بات ناجزا لإنهاء ظاهرة الميليشيات التابعة لإيران، وخصوصا ودون لبس ظاهرة حزب الله في لبنان.


لا تمتلك إيران الكلمة الأولى في اليمن ولم تعد ميليشيات الحوثيين تشكل إلا محاولة باتت يائسة لتهديد أمن السعودية. انتقل الملف اليمني إلى صدارة الاهتمام الأميركي وبات انخراط واشنطن العسكري في ذلك الميدان جزءا من تلك الإستراتيجية التي أطل بها الرئيس الأميركي على العالم ضد إيران. وإذا ما تولّت إيران تحريك أحد صواريخها ضد الرياض مهددة بآخر صوب دبي، فذلك أن مستوى اليأس وصل إلى مستويات الانتحار.

ولا تمتلك إيران، للمفارقة، الكلمة الأولى في العراق على الرغم من هيمنتها المزعومة على نظام الحكم في العراق ونخبه السياسية الفاعلة. بات الحضور السياسي السعودي في ذلك البلد صريحا يأخذ أشكاله الرسمية التقليدية اللافتة، لكنه يتمدد أيضا داخل النسيجين السياسي والاجتماعي، على النحو الذي مثّلته زيارات السياسيين العراقيين إلى بعض العواصم العربية، لا سيما تلك لمقتدى الصدر إلى الرياض وأبوظبي وبيروت (دون أن يلتقي حسن نصرالله!) وعمّان، ناهيك عن عودة صارخة للنفوذ الأميركي الذي يرسم في العراق خرائط طريق لا تلتقي أبدا مع خرائط طهران.

وعلى الرغم مما قيل عن تدخل للواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، في مسألة إسقاط استفتاء إقليم كردستان، بيد أن الأمر لم يكن ليمرّ لو لم يكن متكاملا تماما مع خيار أميركي – تركي سحب الغطاء عن الإقليم، وأوقف تلك الرعاية الاستثنائية التي كان يحظى بها رئيس الإقليم مسعود البارزاني لدى واشنطن وأنقرة.

وفيما كانت إيران تحصد بمناسبة الغزو الأميركي عام 2003 ما يرتكبه الأميركيون في العراق وتضيفه إلى رصيدها هناك، يبدو أن للحرث الإيراني هذه الأيام في هذا البلد حصادا يُدرج في ورشة التدابير الدولية التي تُعد للعراق والتي تعمل على إبعاد قرار بغداد عن قرار طهران.

وقد يظهر أيضا أن “انتصار محور الممانعة”، الذي أعلنه مستشار المرشد علي أكبر ولايتي من على باب السراي الحكومي في بيروت، تشوبه قراءة متوترة واهمة. فأن يطلق رجل إيران احتفاليته من بيروت فذلك أنه يختار الموقع المرتبك الملتبس الولاء لكي يحسم جدلا عن هيمنة إيران المزعومة على أربع عواصم عربية.

فإيران التي استثمرت كثيرا في المال والعتاد والرجال، بمن فيهم أولئك اللبنانيين الذين زجّ بهم حزب الله في الأتون السوري، تجد أن حصادها السوري آيل إلى قحط، ذلك أن نهائيات التسوية في سوريا عادت لتكون سجالا بين روسيا والعالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وأن أي حصة مأمولة لها في الطبق السوري ستكون فتاتا، مقارنة بما كانت تمتلكه هناك، حتى لو حاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في طهران إقناع قادتها بغير ذلك.

حسن نصرالله يدرك، في قرارة نفسه، أن استقالة حليف السعودية الأول من منصبه في لبنان هي بالفعل حدث أمني – استراتيجي بامتياز، يعلن بالسياسة انتهاء حقبة وبدء أخرى في تاريخ لبنان والمنطقة
يشعر حزب الله أن أيامه السورية باتت معدودة، وأن قوة قاهرة قد تبعده عن حلبة التسويات السورية الكبرى. ويشعر حزب الله أن وجوده في سوريا ولبنان بات فائضا لا يتّسق مع أعراض التسويات الشرق أوسطية القادمة. فإذا ما كانت إسرائيل تكثر من ضجيجها الممل ضد الحزب، فإن ذلك لا يقلق قيادته بقدر شعورها أن أي اتفاق “حتمي” قادم بين واشنطن وموسكو حول مواقعهما في المنطقة، سيضغط هامش المناورة الإيراني بما سيتطلب إزالة وظيفة الحزب اللبنانية والإقليمية. وتلك القراءة التي يعيها حزب الله جيدا ليست وليدة الأيام الأخيرة، بل هي قديمة استدعت مباركته لإنتاج العهد في لبنان والانخراط داخله والتظلل بحكومته برئاسة سعد الحريري.

يعود “هدوء” نصرالله بسبب فقدانه المفاجئ للسقف الشرعي اللبناني الذي أباح له التحرك تحته بصفته ركنا منه يعترف به العالم أجمع. فقدت إيران خلال ساعات رعاية السعودية لتلك الشراكة الملتبسة التي قادت سعد الحريري يوما للقبول بخيارات حزب الله ودعم ترشح حلفائه لرئاسة الجمهورية في لبنان.

رأى سعد الحريري في ذلك إمساكا بإدارة يُراد لها حفظ البلد وتحييده عن البركان السوري، فيما رأى حزب الله في ذلك ضوءا أخضر يتيح له الإمعان في ورشته السورية لتفيض في معركة جرود عرسال اللبنانية بصفتها أمرا واقعا تجري مباركته.

أخذ حزب الله علما أن السعودية خرجت من هذا التقاطع الظرفي الذي جمعها مع إيران لانتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية وإعادة سعد الحريري رئيسا للحكومة.

ومثلما فاجأت التسوية – الصفقة قيادات تحالفي 8 و14 آذار، فإن استقالة الحريري قلبت الطاولة على الجميع، بحيث أن ردّ الفعل السعودي الذي أُريد تظهيره بشكل صارخ من الرياض ينتفض على طموحات الرئيس الإيراني حسن روحاني في مصادرة قرار عواصم المنطقة، وأن تضعضع النفوذ الإيراني داخل ميادين الاختراق الإيراني في المنطقة ينسحب بشكل كامل على نفوذها في لبنان.

يواجه حزب الله قرارا دوليا حقيقيا للتعامل مع ملفه وإنهاء مصادرته للبنان ووقف وظيفته التي تكشف عنها تقارير المخابرات الدولية في الكويت والبحرين واليمن وسوريا والعراق ولبنان، ناهيك عن خلاياه في أميركا اللاتينية وأفريقيا وتلك في أوروبا وجنوب شرق آسيا. فإذا ما أخرجت وكالة المخابرات المركزية من خزائنها وثائق التواطؤ بين طهران وتنظيم أسامة بن لادن، فذلك أن الورشة الدولية لمكافحة الإرهاب باتت تتطلب الإنهاء من كافة ملفات الإرهاب الأخرى مع مفعول رجعي، ومواجهة إيران، هذه المرة، ليس بصفتها دولة برامج نووية وصاروخية، بل دولة راعية للإرهاب بطبعتيْه السنية والشيعية.

يعرف حزب الله أنه واحد من أذرع إيران الأمنية، وأن ضرب الإرهاب بنُسخه الإيرانية سيطاله ويفتح ملفه وقد يتطلب مقاربة جراحية تتقاطع داخلها مصالح دول بعيدة وقريبة. تعاملَ حسن نصرالله مع أمر الاستقالة ليس بصفتها حدثا سياسيا، بل بصفتها تفصيلا أمنيا يتمحور حول “مصير الحريري” في السعودية، لكن الرجل كان يدرك، في قرارة نفسه، أن استقالة حليف السعودية الأول من منصبه في لبنان هي بالفعل حدث أمني – استراتيجي بامتياز يعلن بالسياسة انتهاء حقبة وبدء أخرى في تاريخ لبنان والمنطقة.